الشيخ محمد رشيد رضا
190
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
يوما من رمضان في غيم على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ثم طلعت الشمس ، وهذا يدل على شيئين : على أنه لا يستحب مع الغيم التأخير إلى أن يتيقن الغروب ، فإنهم لم يفعلوا ذلك ولم يأمرهم به النبي صلّى اللّه عليه وسلّم والصحابة مع نبيهم اعلم وأطوع للّه ولرسوله ممن جاء بعدهم ( والثاني ) لا يجب القضاء ، فان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لو امرهم بالقضاء لشاع ذلك كما نقل فطرهم ، فلما لم ينقل ذلك دل على أنه لم يأمرهم به فان قيل : فقد قيل لهشام بن عروة : أمروا بالقضاء ؟ قال أو بد من القضاء ؟ قيل : هشام قال ذلك برأيه ، لم يرو ذلك في الحديث ، ويدل على أنه لم يكن عنده بذلك علم أن معمرا روى عنه قال : سمعت هشاما قال : لا أدري قضوا أم لا ؟ ذكر هذا وهذا عنه البخاري ، والحديث رواه عن أمه فاطمة بنت المنذر عن أسماء ، وقد نقل هشام عن أبيه عروة انهم لم يؤمروا بالقضاء ، وعروة أعلم من ابنه ، وهذا قول إسحاق بن راهويه . وأيضا فان اللّه قال في كتابه ( وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ) وهذه الآية مع الأحاديث الثابتة عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم تبين أنه مأمور بالأكل إلى أن يظهر الفجر فهو مع الشك في طلوعه مأمور بالأكل كما قد بسط في موضعه . وأما الكحل والحقنة وما يقطر في إحليله ، ومداواة المأمومة والجائفة « 1 » فهذا مما تنازع فيه أهل العلم ، فمنهم من لم يفطر بشيء من ذلك ، ومنهم من فطر بالجميع لا بالكحل ، ومنهم من فطر بالجميع لا بالتقطير ، ومنهم من لا يفطر بالكحل ولا بالتقطير ويفطر بما سوى ذلك . والأظهر انه لا يفطر بشيء من ذلك . فان الصيام من دين المسلمين الذي يحتاج إلى معرفته الخاص والعام ، فلو كانت هذه الأمور مما حرمها اللّه ورسوله في الصيام ويفسد الصوم بها لكان هذا مما يجب على الرسول بيانه ، ولو ذكر ذلك لعلمه الصحابة وبلغوه الأمة كما بلغوا سائر شرعه فلما لم ينقل أحد من أهل العلم عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في ذلك لا حديثا صحيحا ولا ضعيفا ولا مسندا ولا مرسلا - علم أنه لم يذكر شيئا من ذلك . والحديث المروي في الكحل ضعيف رواه أبو داود في السنن ولم يروه غيره ولا هو في مسند أحمد ولا سائر الكتب المعتمدة
--> ( 1 ) سيأتي تفسير الحقنة والقطرة والمأمومة والجائفة في حاشية ( ص 194 )