الشيخ محمد رشيد رضا
187
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ومن قواعد الشريعة المتفق عليها أن العلم مقدم على الظن فلا يعمل بالظن مع إمكان العلم ، فمن أمكنه رؤية الكعبة لا يجوز له أن يجتهد في التوجه إليها ويعمل بظنه الذي يؤديه اليه الاجتهاد . ( 3 ) إذا قيل إن إفادة الحساب للعلم القطعي بوجود الهلال وإمكان رؤيته خاص بالفلكي الحاسب وقد اختلف العلماء في العلم به كما ذكرتم ولا يكون علمهم حجة على غيرهم ( قلنا ) ان الذين لم يبيحوا العمل بالحساب قد عللوه بأنه ظن وتخمين لا يفيد علما ولا ظنا كما نقلناه عن شرح البخاري للحافظ ابن حجر آنفا ، والحساب المعروف في عصرنا هذا يفيد العلم القطعي كما تقدم ويمكن لائمة المسلمين وأمرائهم الذين ثبت ذلك عندهم أن يصدروا حكما بالعمل به فيصير حجة على الجمهور ، وهذا أصح من الحكم باثبات الشهر باكمال عدة شعبان ثلاثين يوما مع عدم رؤية الهلال ليلة الثلاثين والسماء صحو ليس فيها قتر ولا سحاب يمنع الرؤية ، فان هذا مخالف لنصوص الأحاديث الصحيحة ( وكذا الحكم برؤية الواحد للهلال لان شهادة الواحد ظنية وان كان عدلا لكثرة ما يعرض فيها من الخطأ والوهم الذي ثبت بالقطع كشهادة بعض العدول برؤية الهلال بعد غروب الشمس كاسفة ) ( 4 ) يؤيد هذا الوجه الأخير القول الثالث للإمام أحمد فيما يجب العمل به إذا غم على الناس رؤية الهلال وهو أن يرجعوا إلى رأي الامام ( أي السلطان ولي الأمر الشرعي ) في الصوم والفطر وقد تقدم مع القولين الآخرين له ( 5 ) إذا تقرر لدى أولي الأمر العمل بالتقاويم الفلكية في مواقيت شهري الصيام والحج كمواقيت الصلاة وصيام كل يوم من الفجر إلى الليل امتنع التفرق والاختلاف بين المسلمين في كل قطر أو في البلاد التي تتفق مطالعها ، وهذه لا ضرر في الاختلاف في صيامها كما أنه لا ضرر في الاختلاف في صلواتها وجملة القول أننا بين أمرين : إما أن نعمل بالرؤية في جميع مواقيت العبادات أخذا بظواهر النصوص وحسبانها تعبدية ، وحينئذ يجب على كل مؤذن أن لا يؤذن حتى يرى نور الفجر الصادق مستطيرا منتشرا في الأفق ، وحتى يرى الزوال والغروب الخ . وإما أن نعمل بالحساب المقطوع به لأنه أقرب إلى مقصد الشارع