الشيخ محمد رشيد رضا

180

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

استدراك وإيضاح لتفسير آيات الصيام وتحقيق الحق فيما اختلف فيه منها اجتهاد العلماء ( مسألة بدء الصيام وهل هو طلوع الفجر أم تبين بياض النهار للناس ؟ ) إن ما كتبته أولا وبينت به مذهب الجمهور في تحديد نهار الصيام يبني على ما كان من تشبيه العرب أول الصبح بالخيط كقول بعضهم : ولما تبدت لنا سدفة * ولاح من الصبح خيط أنارا ومنه قول كمال الدين بن النبيه الشاعر في الخمرة وهو من التشبيه العقيم وتريك خيط الصبح مفتولا إذا * صبت من الراووق في الطاسات ولكن هذا التشبيه يصدق بالفجر الكاذب وهو الضوء المستطيل ، ولا يظهر في الخيط الأسود إلا بتكلف أو بطريق التغليب ، وصح أن بعض الصحابة فهموا أولا ان الخيطين على حقيقتهما حتى بين لهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم انهما النهار والليل يتميز أحدهما من الآخر ، ففي الصحيحين من حديث سهل بن سعد قال : أنزلت ( وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ ) ولم ينزل ( مِنَ الْفَجْرِ ) فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود ولا يزال يأكل حتى يتبين له رؤيتهما ، فأنزل اللّه بعد ( مِنَ الْفَجْرِ ) فعلموا انه انما يعني الليل والنهار . وهذا الحديث مشكل باستبعاد تأخر نزول هذا البيان ، وزعم بعضهم انه نزل بعد سنة من نزول الآيات والعمدة في الباب حديث عدي بن حاتم المرفوع المتفق عليه الذي قدمه عليه البخاري قال : لما نزلت ( حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ ) عمدت إلى عقال أسود وإلى عقال أبيض فجعلتهما تحت وسادتي فجعلت أنظر في الليل فلا يستبين لي ، فغدوت على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فذكرت له ذلك فقال « إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار » زاد في رواية : فضحك وقال « ان كان وسادك إذا لعريضا ان كان الخيط الأبيض والأسود تحت وسادتك » ورواية مسلم « ان وسادك لعريض طويل » ويحمل قول عدي في الآية : لما نزلت - على علمه بنزولها لتأخر إسلامه عنه . ورواية الإمام أحمد توضح هذا فإنه روى عنه انه لما علمه صلّى اللّه عليه وسلّم الصلاة