الشيخ محمد رشيد رضا

16

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

بالحزم والثبات على الاتباع ولئلا يتوهم من سابق الكلام انه خاص به عليه الصلاة والسّلام بعد هذا عاد إلى بيان حال السفهاء مثيري الفتنة في مسألة تحويل القبلة فقال وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ أي أن تولي المسجد الحرام هو الحق المنزل من اللّه على نبيه . وجمهور المفسرين على أن أكثر أولئك الفاتنين كانوا من أهل الكتاب المقيمين في الحجاز ، ولولا ذلك لم تكن الفتنة عظيمة لان كلام المشركين في مسائل الوحي والتشريع قلما يلتفت اليه وأما أهل الكتاب فقد كانوا معروفين بين العرب بالعلم ، ومن كان كذلك فان عامة الناس تتقبل كلامه ولو نطق بالمحال ، لان الثقة بمظهره ، تصد عن تمحيص خبره ، فهو في حاله الظاهرة شبهة إذا أنكر ، وحجة إذا اعترف ، ولان الجماهير من الناس قد اعتادوا تقليد مثله من غير بحث ولا دليل . وقد جرى أصحاب المظاهر العلمية والدينية على الانتفاع بغرور الناس بهم ، فصار الغرض لهم من أقوالهم التأثير في نفوس الناس ، فهم يقولون ما لا يعتقدون لأجل ذلك ، ويسندون ما يقولون إلى كتبهم كذبا صريحا أو تأويلا بعيدا ، كما كان أحبار اليهود يطعنون في النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وما جاء به ويذكرون للناس أقوالا على أنها من كتبهم وما هي من كتبهم ، ان يريدون الا خداعا ، وقد كذب اللّه هؤلاء الخادعين ، وبين أنهم يقولون غير ما يعتقدون ، كأنه يقول إن هؤلاء قد قام عندهم الدليل على ما سبقت به بشارة أنبيائهم من صحة نبوة الرسول ويعلمون أن أمر القبلة كغيرها من أمور الدين ما جاء به الوحي عن اللّه تعالى وأنه الحق لا محيص عنه ، لامكان معين بذاته لذاته ، وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ * فهو المطلع على الظواهر والضمائر ، الحسيب على ما في السرائر ، الرقيب على الاعمال ، فيخبر نبيه بما شاء ان يخبره وإليه المرجع والمصير وعليه الحساب والجزاء ، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي ( تعلمون ) بالتاء للخطاب سبق القول بان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كان حريصا على هداية أهل الكتاب راجيا بايمانهم ما لا يرجوه من ايمان المشركين ، فبمقدار حرصه ورجائه كان يحزنه عروض الشبه لهم في الدين ، ويتمنى لو أعطي من الآيات والدلائل ما يمحو كل شبهة لهم ، فلما كانت فتنة تحويل القبلة بمخادعتهم الناس أخبره اللّه تعالى بأنهم غير