الشيخ محمد رشيد رضا
17
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
مشتبهين في الحق فتزال شبهتهم ، وانما هم قوم معاندون جاحدون على علم ، ثم أعلمه بان الآيات لا تؤثر في المعاند ولا ترجع الجاحد عن غيه وقد أجمع المسلمون على فرضية استقبال القبلة في الصلاة ولكن اختلفوا هل هي شرط لصحتها أم لا . وفي بعض الأحاديث ان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم صلى بأصحابه إلى غير القبلة بالاجتهاد ثم ظهر لهم خطؤهم ولم يعيدوا . وإنما يدل هذا إن صح على أن خطأ الاجتهاد فيها مغفور . والصحيح ان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم صلى إلى بيت المقدس بعد الهجرة ستة عشر شهرا وان النسخ بنزول هذه الآيات كان في رجب من السنة الثانية . وحديث البراء في صحيح البخاري وغيره انه صلى إلى بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهرا بالشك . ورواية 16 عند مسلم وغيره بدون شك فهي الصواب * * * وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ أي وتاللّه لئن جئتهم بكل آية على نبوتك وكل حجة على صدقك ، ما تبعوا قبلتك فضلا عن ملتك فلا يحزنك قولهم ولا إعراضهم ، ولا تحسبن الآيات والدلائل مقنعة أو صارفة لهم عن عنادهم ، فهم قوم مقلدون لا نظر لهم ولا استدلال . وكما أيأسه من اتباعهم قبلته أيأسهم من اتباعه قبلتهم فقال وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ فإنك الآن على قبلة إبراهيم الذي يجلونه جميعا ، ولا يختلف في حقية ملته أحد منهم ، فهي الأجدر بالاجتماع عليها ، وترك الخلاف إليها ، فإذا كان اتباع إبراهيم لا يزحزحهم عن تعصبهم لما ألفوا ، وعنادهم فيما اختلفوا ، وإذا كان التقليد يحول بينهم وبين النظر في حقيقة معنى القبلة ، وكون الجهات كلها للّه تعالى ، وان الفائدة فيها الاجتماع دون الافتراق ، فأي دليل أم أية آية ترجعهم عن قبلتهم ؟ وأي فائدة ترجى من موافقتك إياهم عليها ؟ ألم تر كيف اختلفوا هم في القبلة فجعل النصارى لهم قبلة غير قبلة اليهود التي كان عليها عيسى بعد موسى وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ لان كلا منهم قد جمد بالتقليد على ما هو عليه ، والمقلد لا ينظر في آية ولا دليل ، ولا في فائدة ما هو فيه والمقارنة بينه وبين غيره ، فهو أعمى لا يبصر ، أصم لا يسمع ، أغلف القلب لا يعقل ( تفسير المنار ) ( 3 ) ( الجزء الثاني )