الشيخ محمد رشيد رضا

171

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وهي لا تتحقق إلا بالعلم والعزيمة والعمل ، فان تم للعبد ما يريد بذلك فقد أعطاه اللّه تعالى من خزائنه التي يفيض منها على جميع متبعي سننه في الخلق ، وإن بذل جهده ولم يظفر بسؤله فما عليه إلا أن يلجأ إلى مسبب الأسباب وهادي القلوب إلى ما غاب عنها وخفي عليها ، ويطلب المعونة والتوفيق ممن بيده ملكوت كل شيء : وقد قال بعض السلف ان مثل هذا يجاب لا محالة . وقالت الصوفية الدعاء المجاب هو الدعاء بلسان الاستعداد ، وقد استعاذ النبي عليه الصلاة والسّلام من الطمع في غير مطمع فمن يترك السعي والكسب ويقول : يا رب ألف جنيه : فهو غير داع ، وانما هو جاهل . ومثل ذلك المريض لا يراعي الحمية ولا يتخذ الدواء ، ويقول رب اشفني وعافني ، كأنه يقول اللهم أبطل سننك التي قلت إنها لا تبدل ولا تحول لأجلي « 1 » وكم استجاب اللّه لنا من دعاء ، وكشف عنا من بلاء ، ورزقنا من حيث لا نحتسب ولا نتخذ الأسباب . ولكن بتسخيره هو للأسباب « 2 » سأل سائل في الدرس : إذا كان الرزق مقدرا فعلام السؤال ؟ فقال الأستاذ : إذا كانت إجابتي أو عدمها مقدرا فلم السؤال ؟ هذا لا يقال وانما ينبغي أن يقال ما الحكمة في طلب الدعاء منا في هذه الآية وغيرها من الآيات والأحاديث كحديث « الدعاء مخ العبادة » واللّه تعالى يعلم ما في أنفسنا وما تنطوي عليه سرائرنا ؟ قالت الصوفية : ان المراد بالدعاء فزع القلب إلى اللّه وشعوره بالحاجة إلى معونته والتجاؤه اليه . وبحتجون بما روي في قصة إبراهيم صلّى اللّه عليه وآله وسلّم من

--> ( 1 ) راجع مقالة الدعاء في المجلد السادس من المنار ( ص 406 ) وتفسير ( 7 : 54 ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً ) في ص 456 ج 8 تفسير من الطبعة الأولى وص 256 منه ( 2 ) مرض شيخنا مرة بالدوسنطارية وطال مرضه وتعسر علاجه فرأى في المنام قائلا يقول له ارسل من يأتيك بماء من مكان كذا واشرب منه تشف ، ففعل فشفي ثم ذهب إلى ذلك المكان فإذا بماء في حفرة تحت شجر السنط فعلم أن فائدة الماء في اصلاح فساد الأمعاء انما هي بسبب ما يتحلل فيه جذور السنط وورقه من مادته العفصية القابضة . ومرض أخي السيد إبراهيم أدهم مرضا طويلا ثم رأى النبي ( ص ) في الرؤيا فامره ان يشرب من كوب كان بالقرب منه فاستيقظ فشرب فقام من مرضه صحيحا معافى . وأمثال هذا الالهام والتأثير الروحي في الرؤيا كثير