الشيخ محمد رشيد رضا

172

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

أن جبريل سأله قبل أن يلقى في النار ألك حاجة ؟ قال أما إليك فلا . قال فادع اللّه . قال حسبي من سؤالي علمه بحالي . ( أقول ) ولكن ظاهر الآيات والأحاديث يدل على أن الدعاء مطلوب بالقول ، مع التوجه إلى اللّه بالقلب ، ومنه الأدعية المأثورة في الكتاب والسنة وذلك أن الدعاء باللسان هو أثر الشعور بالحاجة إلى اللّه تعالى وفزع القلب اليه ، فإن لم يكن أثره فهو مذكر به وهو أعظم مظاهر الايمان ، ولذلك سماه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم مخ العبادة فهو يطلب لذلك وإجابة اللّه الدعاء تقبله ممن أخلص له وفزع اليه بروحه ورضاه عنه سواء أوصل اليه ما طلبه في ظاهر الامر أم لم يصل . والحديث رواه الترمذي من حديث أنس ( رض ) وسنده ضعيف ومتنه صحيح فهو بمعنى حديث « الدعاء هو العبادة » بصيغة الحصر وهو صحيح رواه أحمد والبخاري في الأدب المفرد وأصحاب السنن الأربعة وغيرهم من حديث النعمان بن بشير رضي اللّه عنه فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي قالوا : استجاب له واستجابه وأجابه إلى الشيء واحد وهو أن يفعل ما دعاه اليه ويؤتيه ما طلبه منه . وقال الراغب الاستجابة قيل هي الإجابة ، وحقيقتها التحري للجواب والتهيؤ له لكن عبر به عن الإجابة لقلة انفكاكها منها اه وأورد الشواهد عليه من الآيات ومنها هذه الآية . وقد ذكرت في تفسير ( 8 : 24 اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ ) ان الأقرب إلى الفهم قلب ما قاله الراغب وعكسه وهو ان الاستجابة هي الإجابة بعناية واستعداد فتكون زيادة السين والتاء للمبالغة وهو يقرب مما قالوه في معانيهما من التكلف والتحري والطلب أو هو بعينه ، إلا أنه لا يعبر به فيما يسند إلى اللّه تعالى كقوله ( فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ ) والمعنى : وإذ كنت قريبا منهم مجيبا لدعوة من دعاني منهم فليستجيبوا هم لي بتحرى ما أمرتهم من الايمان والاعمال النافعة لهم كالصيام وغيره مما أدعوهم اليه كما أجيب دعوتهم بقبول عبادتهم ، وتولي اعانتهم . فالآية تفيد أن المنفرد بإجابة الدعاء هو الذي يطاع طاعة العبادة ، فإذا دعانا غيره إلى عبادة اخترعها باجتهاده لا دليل عليها فيما أوحاه اللّه إلى نبيه لا نجيبه إليها كما أننا لا ندعو غيره تعالى . وقال المفسرون في الأمر بالايمان هنا انه أمر بالمداومة عليه لان الخطاب للمؤمنين