الشيخ محمد رشيد رضا
170
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
بتكبيره ودعائه ، ولا إلى أن يتخذوا وسطاء بينهم وبينه في التوجه اليه وسؤال رحمته وفضله ، بل يجب أن يصمدوا اليه وحده فإنه هو الذي يجيب دعاءهم وحده ( أقول ) : وأما كيفية اجابته إياهم فليس من موضوع الآية ، ولا شك ان العارف باللّه تعالى والعالم بشرعه وبسننه في خلفه لا يقصد بدعائه ربه إلا هدايته إلى الطرق والأسباب التي جرت سننه تعالى بأن تحصل الرغائب بها ، وتوفيقه ومعونته فيها ، فهو إذا سأل اللّه تعالى أن يزيد في علمه أو في رزقه فلا يقصد أن يكون العلم وحيا يوحى ولا أن تمطر له السماء ذهبا وفضة ، وكذلك إذا سأل اللّه شفاء مرضه أو مريضه الذي أعياه علاجه فإنه لا يريد بذلك أن يخرق اللّه العادات ، أو يجعله مؤيدا بالمعجزات والآيات ، وإنما يريد المؤمن العارف بالدعاء ما ذكرنا من توفيق اللّه إياه إلى العلاج ، أو العمل الذي يكون سبب الشفاء ، سواء كان ذلك بارشاد مرشد أو بالهام إلهي ، فكم للّه من عناية بالمتوجهين اليه الداعين له بعد ما اجتهدوا في الأخذ بالأسباب فلم يفلحوا . ومن عنايته الهداية إلى سبب جديد ، وإلهام النفس العمل المفيد ، وتقوية المزاج على المرض ولا دليل في الآية على أن كل دعاء يجاب بل هي نفسها دليل على أنه لا يجيب الدعاء إلا اللّه ، فيجب أن لا يدعى سواه ( 72 : 18 وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً ) فعسى أن يهتدي بهذا الموسومون بسمة الايمان ، الذين يدعون عند الضيق غير الرحمن ، ويتوجهون إلى القبور : يا فلان يا فلان ويتأول لهم هذا الشرك أدعياء العلم والعرفان ، بأن الكرامات ثابتة عندهم للأموات كالاحياء ، ولكن اللّه تعالى يقول لهم ( بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ ) وانظر كيف لم يقل انه يجيب دعوة الداعي حتى قيدها بقول ه ( إذا دعاني ) قال الأستاذ الامام ما مثاله : ان الداعي شخص يطلب شيئا وهو يصدق على أكثر الناس الذين يطلبون كل يوم أشياء كثيرة وليس كل واحد منهم متحققا بدعاء اللّه تعالى وحده كما يحب أن يدعى ، فهو يقول أجيب دعوة الداعي إذا خصني بالدعاء والتجأ إليّ التجاء حقيقيا بحيث ذهب عن نفسه إليّ ، وشعر قلبه بأنه لا ملجأ له إلا إليّ ، ومثل هذا لا يطمع في غير مطمع ، ولا يطلب مالا يصح أن يطلب ، وانما يمتثل أمر اللّه تعالى باتخاذ جميع الوسائل من طرقها الصحيحة المعروفة