الشيخ محمد رشيد رضا
15
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
نزول الوحي بتحويل القبلة . ولا تدل الآية على أنه كان يدعو بلسانه طالبا هذا التحويل ولا تنفي ذلك . وقال بعض المحققين : من كمال أدبه صلّى اللّه عليه وسلّم انه انتظر ولم يسأل ، وهذا التوجه هو الذي يحبه اللّه تعالى ويهدي قلب صاحبه إلى ما يرجوه ويطلبه لذلك قال عز وجل فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها أي فلنجعلنك متوليا قبلة تحبها وترضاها ، وقرن الوعد بالامر فقال فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ تولية الوجه المكان أو الشيء هي جعله قبالته وأمامه ، والتولي عنه جعله وراءه . والشطر في الأصل القسم المنفصل من الشيء تقول جعله شطرين ومنه شطر البيت من الشعر وهو المصراع منه ، وكذا المتصل كشطري الناقة وأشطرها وهي أخلافها : شطران أماميان وشطران خلفيان . ويطلق على النحو والجهة وهو المراد هنا ، فالواجب استقبال جهة الكعبة في حال البعد عنها وعدم رؤيتها ، ولا يجب استقبال عينها إلا على من يراها بعينه ، أو يلمسها بيده أو بدنه . فان صح اطلاق الشطر على عين الشيء في اللغة فلا يصح ان يراد هنا لما فيه من الحرج الشديد لا سيما على الأمة الأمية . ثم أمر بذلك المؤمنين عامة فقال وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ أي وفي أي مكان كنتم فاستقبلوا جهته بوجوهكم في صلاتكم ، وهذا يقتضي أن يصلي المسلمون في بقاع الأرض إلى جميع الجهات لا كالنصارى الذين يلتزمون جهة المشرق ، ويقتضي أن يعرفوا موقع البيت الحرام وجهته حيثما كانوا ولذلك وضعوا علم سمت القبلة وتقويم البلدان ( الجغرافية الفلكية والأرضية ) . وقد عهد من أسلوب القرآن ان يكون الامر يؤمر به النبي ولا يذكر انه خاص به أمرا له وللمؤمنين به فإذا أريد التخصيص جيء بما يدل عليه كقوله تعالى ( وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ ) وقوله ( خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ) وانما أمر اللّه المؤمنين في هذه الآية بما أمر به النبي فيها نصا صريحا للتأكيد الذي اقتضته الحال في حادثة القبلة ، فإنها كانت حادثة كبيرة استتبعت فتنة عظيمة ، فأراد اللّه أن يعلم المؤمنين بعنايته بها ويقررها في أنفسهم ، فاكد الامر بها وشرفهم بالخطاب مع خطاب الرسول عليه الصلاة والسّلام لتشتد قلوبهم وتطمئن نفوسهم ، ويتلقوا تلك الفتنة التي أثارها المنافقون والكافرون