الشيخ محمد رشيد رضا

167

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

ومن تعمد المبالغة في الصياح في دعائه أو الصلاة على نبيه كان إلى عبادة الشيطان ، أقرب منه إلى عبادة الرحمن ( أقول ) أما الحديث فقد رواه أحمد والشيخان وأصحاب السنن من طرق إلى أبي عثمان النهدي عن أبي موسى قال : كنا مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في سفر فجعل الناس يجهرون بالتكبير فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « أيها الناس أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا ، انكم تدعون سميعا قريبا وهو معكم » وفي رواية انهم كانوا يرفعون أصواتهم بالتهليل والتكبير إذا علوا عقبة أو ثنية . وليس في هذه الروايات ذكر الآية ولكن الحديث في المقام فإنهم كانوا يرفعون أصواتهم بالتكبير المأمور به في الآية السابقة فدلت الآية على ما صرح به الحديث من النهي فكان الحديث تفسيرا لها بل هو عمل بها وذكره ابن العادل في تفسيره من أسباب نزولها قال تعالى وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ هذا التفات عن خطاب المؤمنين كافة باحكام الصيام ، إلى خطاب الرسول عليه الصلاة والسّلام ، بان يذكرهم ويعلمهم ما يراعونه في هذه العبادة وغيرها من الطاعة والاخلاص والتوجه اليه وحده بالدعاء ، الذي يعدهم للهدى والرشاد ، وجعلت بأسلوب الفتوى على تقدير السؤال لتنبيه الأذهان ، والمراد أن يؤمنوا بأن اللّه تعالى قريب منهم ليس بينه وبينهم حجاب ولا ولي ولا شفيع يبلغه دعاءهم وعبادتهم ، أو يشاركه في إجابتهم أو اثابتهم ، ليتوجهوا اليه وحده حنفاء مخلصين له الدين . وقال البيضاوي في وجه الاتصال : واعلم أنه تعالى لما أمرهم بصوم الشهر ومراعاة العدة وحثهم على القيام بوظائف التكبير والشكر عقبه بهذه الآية الدالة على أنه خبير بأحوالهم ، سميع لأقوالهم ، مجيب لدعائهم ، مجاز على أعمالهم ، تأكيدا له وحثا عليه . اه ونحن نعلم أن الاحكام العملية إنما تشرع لتقوية الايمان وإصلاح النفس ، ولذلك كان من سنة القرآن الحكيم أن يبين مع كل حكم حكمة تشريعه وفائدته في تقوية الايمان ، ويمزج الكلام فيه بما يذكر بعظمة اللّه تعالى ، ويعين على مراقبته والتوجه اليه ويثبت الايمان به كهذه الآية ويا ليت فقهاءنا اقتدوا بهدي القرآن