الشيخ محمد رشيد رضا

168

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

فلم يجعلوا كتب الاحكام جافة مقصورة على ذكر الاعمال البدنية ، كأن الدين دين مادي جسماني لا غرض للقلوب والأرواح فيه وأما معنى قرب اللّه تعالى فقد قالوا : انه القرب بالعلم بمعنى أن علمه محيط بكل شيء فهو يسمع أقوال العباد ويرى أعمالهم . وعبارة البيضاوي : وهو تمثيل لكمال علمه تعالى بافعال العباد وأقوالهم واطلاعه على أحوالهم بحال من قرب مكانه منهم . اه وإنما جعلوا الكلام تمثيلا لان القرب والبعد الحقيقي انما يكونان باعتبار المكان وهو منزه عن الانحصار في المكان . وقال الأستاذ الامام : يصح أن يكون من قرب الوجود فان الذي لا يتحيز ولا يتحدد تكون نسب الأمكنة وما فيها اليه واحدة ، فهو تعالى قريب بذاته من كل شيء إذ منه كل شيء إيجادا وإمدادا واليه المصير اه وهذا الذي قاله من الحقائق العالية وعليه السادة الصوفية فقد قال أحد العلماء في قوله تعالى ( 56 : 85 وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ ) اي إذا بلغت روحه الحلقوم : انه القرب بالعلم ، وكان أحد كبار الصوفية حاضرا فقال : لو كان هذا هو المراد لقال تعالى في تتمة الآية ولكن لا تعلمون . ولكنه لم ينف العلم عنهم وإنما قال ( وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ ) وليس من شأن العلم ان يبصر فينفى هنا إبصاره وإنما ذلك شأن الذات . اه بالمعنى وهو مذكور بنصه في كتاب اليواقيت والجواهر للشعراني . وعلى كل حال لازم القرب مقصود وهو عدم الحاجة إلى رفع الصوت ولا إلى الواسطة بينه وبين عباده في الدعاء وطلب الحاجات كما كان عليه المشركون في التوسل بالشفعاء والوسطاء إلى اللّه تعالى كأنه قال : فأخبرهم بأنني قريب منهم وانني أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ( أي كما في سورة ق ) هذا ما كتبته من التعليق على كلمة شيخنا في قرب الوجود وطبع أولا واطلع هو عليه ، ثم استشكله بعض اخواننا السلفيين بأنه مخالف لمذهب السلف فإنهم يتأولون أو يفسرون القرب بالعلم كالمتكلمين ، ويقولون إن اللّه تعالى فوق عباده بائن من خلقه ، مستو على عرشه ، وعبارة الأستاذ على اجمالها أقرب إلى مذهب السلف من تأويل المتكلمين ومن وافقهم من السلفيين فان البائن من كل شيء الذي لا يتحيز ولا يتحدد هو الذي تكون نسبة جميع الأمكنة ومن فيها اليه واحدة وهي البينونة المطلقة