الشيخ محمد رشيد رضا

151

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

تقييده بالمرض الذي يعسر الصوم معه بقوله في الآية الأخرى ( يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ) ولا دليل فإنه تعليل لأصل الرخصة ، وكمالها أن لا يكون فيها تضييق . وكذلك السفر يشمل إطلاقه وتنكيره الطويل والقصير وسفر المعصية . فالعمدة فيه ما يسمى في العرف سفرا كسائر الالفاظ المطلقة في الشرع . والعرف يختلف باختلاف أسباب المعيشة ووسائل النقل فالذي يركب في هذا الزمان سيارة بخارية أو طيارة هوائية مسافة ثلاثة أميال أو فراسخ أو مسافة يوم أو يومين بتقدير سير الأثقال ليمكث مدة قصيرة ثم يعود إلى بلده وداره ، لا يسمى في العرف مسافرا بل متنزها . وقد جاء في السنة ما يؤيد هذا الاطلاق في السفر القصير فقد روى أحمد ومسلم وأبو داود عن أنس أنه قال : كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إذا خرج مسيرة ثلاثة أيام أو ثلاثة فراسخ صلى ركعتين : ويرجح كون الرواية ثلاثة أميال حديث أبي سعيد عند سعيد بن منصور قال : كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إذا سافر فرسخا يقصر الصلاة والفرسخ ثلاثة أميال . بل روى ابن أبي شيبة باسناد صحيح عن ابن عمر انه كان يقصر في الميل الواحد ، وما روي في قصره صلّى اللّه عليه وسلّم في مسافة أطول لا ينافي هذا فان القصر فيها أولى ، ولا خلاف بين المسلمين في أن السفر الذي يباح فيه القصر يباح فيه الفطر ، وأما العاصي بالسفر فهو على دخوله في الاطلاق من جملة المكلفين المخاطبين بالشريعة كلها كغيرهم كما تقدم بيانه في تفسير ( فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ) وزعم بعض المفسرين المقلدين أن قوله تعالى ( أَوْ عَلى سَفَرٍ ) * يومىء إلى أن من سافر في أثناء اليوم لا يجوز له أن يفطر فيه بل يفطر في اليوم الثاني لان الكلمة تدل على التمكن من السفر بجعله كالمركوب ، ولكن السنة جرت بخلاف ذلك ، فقد روى البخاري وغيره عن ابن عباس قال : خرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى حنين « 1 » والناس مختلفون فصائم ومفطر ، فلما استوى على راحلته دعا باناء من لبن أو ماء فوضعه على راحته أو راحلته ثم نظر إلى الناس فقال المفطرون للصوام افطروا : وفي حديث أنس وأبي بصرة الأمر بذلك وتسميته سنة .

--> ( 1 ) الصواب خرج إلى مكة كما صرح به في الروايات الاخري في البخاري وغيره