الشيخ محمد رشيد رضا

142

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

بأعمالهم فيه فيجازيهم عليها ، وهو يتضمن تأكيد الوعيد والضمير في الموضع الثلاثة راجع إلى الحق أو الايصاء اي اثره ومتعلقه وقد قال بوجوب الوصية بعض علماء السلف واستدلوا عليه بالآية وبحديث « ما حق امرئ مسلم ييت ليلتين وله شيء يريد أن يوصي به إلا ووصيته عند رأسه » رواه الجماعة كلهم من حديث ابن عمر . ومنهم عطاء والزهري وأبو مجلز وطلحة بن مصرف . وحكاه البيهقي عن الشافعي في القديم وبه قال إسحاق وداود . واختاره أبو عوانة الأسفرايني وابن جرير وآخرون اه من فتح الباري وقال الجمهور مندوبة وتقدم قولهم في الآية * * * ثم قال فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ الجنف بالتحريك الخطأ ، والاثم يراد به تعمد الاجحاف والظلم ، والموصي فاعل الايصاء وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب ( موص ) بالتشديد من التوصية . والمعنى إن خرج الموصي في وصيته عن المعروف والعدل خطأ أو عمدا فتنازع الموصى لهم فيه أو تنازعوا مع الورثة فينبغي أن يتوسط بينهم من يعلم بذلك ويصلح بينهم ، ولا اثم عليه في هذا الاصلاح إذا وجد فيه شيء من تبديل الجنف والحيف لأنه تبديل باطل إلى حق وإزالة مفسدة بمصلحة ، فقلما يكون اصلاح الا بترك بعض الخصوم شيئا مما يراه حقا له للآخر . قال الأستاذ الامام : الآية استثناء مما قبلها أي ان المبدل للوصية آثم إلا من رأى اجحافا أو جنفا في الوصية فبدل فيها لأجل الاصلاح وإزالة التخاصم والتنازع والتعادى بين الموصى لهم ، فعبر بخاف بدلا عن رأى أو علم تبرئة للموصي من القطع بجنفه واثمه واحتماء من تقييد التصدي للاصلاح بالعلم بذلك يقينا ، يعني ان من يتوقع النزاع للجنف أو الاثم فله أن يتصدى للاصلاح وإن لم يكن موقنا بذلك ، وللتعبير عن مثل هذا العلم بالخوف شواهد في كلام العرب . والمصلح مثاب مأجور ، ونفي الاثم عن تبديل الوصية المحرم تبديلها يشعر بذلك ، إذ لو لم يكن التبديل للاصلاح مطلوبا لم ينف الاثم عنه . وختم الكلام بقوله إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ للاشعار بما في هذه الأحكام من المصلحة والمنفعة وبأن من خالف لأجل المصلحة مع الاخلاص فهو مغفور له