الشيخ محمد رشيد رضا
141
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ثم تعظيم رسوله يتلو تعظيمه ولا يبلغه ، وانما يطاع الرسول ويتبع باذن اللّه تعالى ومن أغرب مباحث النسخ ان الشافعية - الذين يبالغ امامهم في الاتباع فيمنع نسخ الكتاب بالسنة ، ثم هو يبالغ في تعظيم السنة واتباعها ولا يبالي برأي أحد يخالفها ، ثم هو يقول إن القياس لا يصار اليه إلا عند الضرورة كأكل الميتة كما رواه عنه الإمام أحمد - يقول بعضهم ان القياس الجلي ينسخ السنة مع أن البحث في العلة أمر عقلي يجوز أن يخطئ فيه كل أحد ، ويجوز أن يكون ما فهمناه من عموم العلة غير مراد للشارع ، فإذا جاء حديث ينافي هذا العموم وصح عندنا فالواجب أن نجعله مخصصا لعلة عموم الحكم ، ولا نقول رجما بالغيب انه منسوخ لمخالفته للعلة التي ظنناها . فإذا كانت المجازفة في القياس قد وصلت إلى هذا الحد وقد تجرأ الناس على القول بنسخ مئات من الآيات ، والى ابطال اليقين بالظن ، وترجيح الاجتهاد على النص ، فعلينا أن لا نحفل بكل ما قيل ، وأن نعتصم بكتاب اللّه قبل كل شيء ، ثم بسنة رسوله التي جرى عليها أصحابه والسلف الصالحون ، وليس في ذلك شيء يخالف الكتاب العزيز . وصفوة القول أن الآية غير منسوخة بآية المواريث لأنها لا تعارضها بل تؤيدها ، ولا دليل على أنها بعدها ، ولا بالحديث لأنه لا يصلح لنسخ الكتاب ، فهي محكمة وحكمها باق ، ولك أن تجعله خاصا بمن لا يرث من الوالدين والأقربين كما روى عن بعض الصحابة وأن تجعله على اطلاقه ، ولا تكن من المجازفين الذين يخاطرون بدعوى النسخ فتنبذ ما كتبه اللّه عليك بغير عذر ، ولا سيما بعد ما أكده بقوله حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ أي حق ذلك الذي كتب عليكم من الوصية أو حققته حقا على على المتقين لي ، المطيعين لكتابي . والمتبادر ان معنى المكتوب المفروض وبه قال بعضهم هنا ، وقال آخرون انه للندب ، ويؤيد الفرضية قوله تعالى في وعيد المبدلين له * * * فَمَنْ بَدَّلَهُ أي بدل ما أوصى به الموصي بَعْدَ ما سَمِعَهُ من الموصي أو علم به علما صحيحا . من كتابة الوصية وهو مشروع كما سيأتي ومن الحكم بها فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ من ولي ووصي وشاهد وقد برئت منه ذمة الموصي وثبت أجره عند اللّه تعالى إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لما يقوله المبدلون في ذلك عَلِيمٌ