الشيخ محمد رشيد رضا

140

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الاحكام ، فمتى أيقنا بالرواية عنه واستوفت شروط النسخ تعتبر ناسخه للكتاب كما إذا نسخت آية آية . وذهب آخرون ومنهم الإمام الشافعي كما في رسالته المشهورة في الأصول بأنه لا يجوز نسخ حكم من كتاب اللّه بحديث مهما تكن درجته لان للقرآن مزايا لا يشاركه فيها غيره وقد أورد الشافعي كثيرا من الأحاديث التي زعموا أنها ناسخة لاحكام القرآن وبين انها غير ناسخة بل بين انها مفسرة ومبينة ( قال الأستاذ ) ولا أعرف لأبي حنيفة قولا في هذه المسائل ، والأصوليون المتقدمون من الحنفية والشافعية لا يقولون بنسخ القرآن بغير المتواتر من الأحاديث وإن اشتهر بنحو رواية الشيخين وأصحاب السنن له ، والدليل ظاهر فان القرآن منقول بالتواتر فهو قطعي وأحاديث الآحاد ظنية يحتمل أن تكون مكذوبة من بعض رجال السند المتظاهرين بالصلاح لخداع الناس اه ( أقول ) وهناك تمييز آخر وهو ان كل ما في القرآن وحي من اللّه تعالى قطعا ، وأما الأحاديث فان فيها ما هو من اجتهاد النبي عليه الصلاة والسّلام وهو دون الوحي ، وإن كان قد تقرر ان النبي إذا أخطأ في اجتهاده لا يقر على الخطأ بل يبين له كما في قوله تعالى ( 8 : 67 ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى ) وقوله ( 9 : 43 عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ ) وقال بعضهم ينسخ الكتاب بالسنة ولو خبر آحاد لان دلالة الآية على الحكم ظنية فكأن الحديث لم ينسخ إلا حكما ظنيا ، وفاتهم ان دلالة الحديث أيضا ظنية فكأننا بنسخ حكما ظنيا إسناده إلى الشارع قطعي بحكم ظني اسناده اليه غير قطعي بل يحتمل أنه لم يقل به أو قاله رأيا لا تشريعا . ولما كان الخلاف هنا ضعيفا جدا احتاج القائلون بنسخ حديث « لا وصية لوارث » لآية الوصية إلى زعم تواتره بتلقي الأمة له بالقبول ، وقد علمت أن هذا غير صحيح . وقد صرح بعض الشافعية بأن الخلاف في نسخ الكتاب بالسنة انما هو في الجواز وأنه غير واقع قطعا وقالوا أيضا ان السنة لا تنسخ الكتاب إلا ومعها كتاب يؤيدها ، والظاهر في مثل هذه الحال أن يقال إن الكتاب نسخ الكتاب لأنه الأصل ، وكأنهم أرادوا تصحيح قول من قال بالنسخ تعظيما له أن يرد قوله ، وتعظيم اللّه تعالى أولى