الشيخ محمد رشيد رضا
130
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
أما الامتنان به فقوله ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ واي تخفيف ورخصة أفضل من حجب الدم بتجويز العفو والاكتفا عنه بقدر معلوم من المال ؟ فهذه رحمة منه سبحانه بهذه الأمة إذ رغبها في التراحم والتعاطف والعفو والاحسان ، وأما الوعيد على الاعتداء بعده فقوله فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ * اي بعد العفو عن الدم والرضى بالدية بأن انتقم من القاتل فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ * قيل معناه أنه يتحتم قتل الولي العافي أو غيره إذا قتل القاتل بعد العفو ولا يجوز العفو عنه ، بل يقتله الحاكم وإن عفا عنه ولي المقتول ، وبه قال جماعة من المفسرين كعكرمة والسدي . وقال عمر بن عبد العزيز : أمره إلى الامام يفعل فيه ما يراه . والجمهور على أن حكمه حكم القاتل ابتداء ، وعليه مالك والشافعي ، والمراد بالعذاب الأليم عذاب الآخرة . قال الأستاذ الامام وهو الصحيح . وفي الحديث المرفوع عند أحمد وابن أبي شيبة والبيهقي وغيرهم ما يؤيده * * * ثم قال تعالى وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ وهو تعليل لشرعية القصاص وبيان لحكمته ، وقدم عليه تعليل العفو والترغيب فيه والوعيد على الغدر بعده عناية به ، وايذانا بأن الترغيب في العفو لا يستلزم تصغير شأنه . وبيان الأسباب والحكم لوضع الاحكام العملية ، كإقامة البراهين والدلائل للمطالب العقلية ، بهذه يعرف الحق من الباطل ، وبتلك يعرف العدل وما يتفق مع المصالح ، وبذلك يكون الحكم أوقع في النفس وأبعث على المحافظة عليه ، وأدعى إلى الرغبة في العمل به - وقد بينت هذه الآية حكمة القصاص بأسلوب لا يسامى ، وعبارة لا تحاكى ، واشتهر أنها من أبلغ آي القرآن ، التي تعجز في التحدي فرسان البيان ، ومن دقائق البلاغة فيها أن جعل فيها الضد متضمنا لضده وهو الحياة في الإماتة التي هي القصاص ، وعرّف القصاص ونكر الحياة للاشعار بان في هذا الجنس من الحكم نوعا من الحياة عظيما لا يقدر قدره ، ولا يجهل سره ثم إنها في إيجازها قد ارتقت أعلى سماء للاعجاز ، وكانوا ينقلون كلمة في معناها عن بعض بلغاء العرب يعجبون من إيجازها في بلاغتها ، ويحسبون أن الطاقة لا تصل إلى أبعد من غايتها ، وهي قولهم : القتل أنفى للقتل . وإنما فتنوا بهذه الكلمة