الشيخ محمد رشيد رضا

131

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وظنوا انها نهاية ما يمكن أن يبلغه البيان ، ويفصح به اللسان ، لأنها قيلت قبلها كلمات أخرى في معناها لبلغائهم كقولهم : قتل البعض إحياء للجميع . وقولهم أكثروا القتل ليقل القتل . . وأجمعوا على أن كلمة : القتل أنفى للقتل . أبلغها ، وأين هي من كلمة اللّه العليا ، وحكمته المثلى ؟ قال الإمام الرازي : وبيان التفاوت من وجوه ( أحدها ) ان قوله ( وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ ) أخصر من الكل ، لان قوله ( وَلَكُمْ ) * لا يدخل في هذا الباب إذ لا بد في الجميع من تقدير ذلك ، وإذا تأملت علمت أن قوله ( فِي الْقِصاصِ حَياةٌ ) أشد اختصارا من قولهم : القتل أنفى للقتل . أي لان حروفه أقل . ( وثانيها ) ان قولهم : القتل أنفى للقتل . ظاهره يقتضي كون الشيء سببا لانتفاء نفسه وهو محال . وقوله ( فِي الْقِصاصِ حَياةٌ ) ليس كذلك لان المذكور هو نوع من القتل وهو القصاص ، ثم ما جعله سببا لمطلق الحياة لأنه ذكر الحياة منكرة ، بل جعله سببا لنوع من أنواع الحياة ( وثالثها ) ان قولهم فيه تكرير للفظ القتل وليس في الآية تكرير ( ورابعها ) ان قولهم لا يفيد إلا الردع عن القتل ، والآية تفيد الردع عن القتل وعن الجرح وغيرهما فهي أجمع للفوائد ( وخامسها ) ان نفي القتل في قولهم مطلوب تبعا من حيث إنه يتضمن حصول الحياة ، وأما الآية فإنها دالة على حصول الحياة وهو مقصود أصلي فكان هذا أولى ( وسادسها ) ان القتل ظلما قتل مع أنه لا يكون نافيا للقتل بل هو سبب لزيادة القتل ، وانما النافي لوقوع القتل هو القتل المخصوص وهو القصاص ، فظاهر قولهم باطل ، وأما الآية فهي صحيحة ظاهرا وتقديرا . فظهر التفاوت بين الآية وبين كلام العرب . اه باختصار وتصرف يسيرين وذكر السيد الآلوسي هذه الوجوه باختصار أدق وزاد عليها نحوها فقال ( الأول ) قلة الحروف فان الملفوظ هنا ( أي في الآية ) عشرة أحرف إذا لم يعتبر التنوين حرفا على حدة وهناك أربعة عشر حرفا ( الثاني ) الاطراد إذ في كل قصاص حياة وليس كل قتل انفى للقتل ، فان القتل ظلما أدعى للقتل ( الثالث ) ما في تنوين ( حياة ) من النوعية أو التعظيم ( الرابع ) صنعة الطباق بين القصاص والحياة فان القصاص تفويت الحياة فهو مقابلها ( الخامس ) النص على ما هو المطلوب بالذات أعني الحياة