الشيخ محمد رشيد رضا
115
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الاستقامة على طريقته وانما طريقة الأئمة المهتدين البحث عن السنة وتقديمها بعد كتاب اللّه تعالى على كل هداية وإرشاد ، ولا يغني عن كتاب اللّه وسنة رسوله شيء أبدا ، فان اللّه يقول ( 33 : 21 لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ ) فمن استغنى عن التأسي بالرسول فقد استغنى عن الايمان باللّه واليوم الآخر ، إذ لا ينفعه هذا الايمان إلا بهذا التأسي ، على أن الاقتداء بالأئمة يقضي على صاحبه بأن يعرف سيرتهم وطريقة أخذهم عن ربهم ونبيهم وأصول استدلالهم ، وهؤلاء المقلدون لا يعرفون ذلك ، بل يندر أن يعرف أحد منهم كلام من يدعي اتباعه وتقليده ، بل جعلوا بينهم وبين أئمتهم عدة وسائط من المقلدين فهم يقلدونهم دونه ، بناء على أنهم أعلم منهم بمراده ، كما أنه أعلم بمراد اللّه ورسوله وهناك قوم غشيهم الجهل فغشهم بأنهم من أشد الناس ايمانا بالرسول وحبا له بما يصيحون به في قراءة كتب الصلاة عليه كالدلائل وأمثالها ، أو المدائح الشعرية وهم أجهل الناس بأخلاقه العظيمة ، وسنته السنية ، وسيرته الشريفة ، وأشدهم نفورا عن التأسي به إذا دعوا اليه ، أو نهوا عن البدع في دينه والزيادة في شريعته . وأمثال هؤلاء من الذين ورد الحديث في الصحيحين وغيرهما بأنهم يردون عليه الحوض يوم القيامة فيذادون اي يطردون دونه فيقول « أمتي » فيقال انك لا تدري ما أحدثوا بعدك فيقول « سحقا سحقا لمن بدل بعدي » ثم ذكر تعالى بعد بيان أصول الايمان أصول الأعمال الصالحة التي هي ثمرته وبدأ بأقواها دلالة عليه فقال وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ أي وأعطى المال لأجل حبه تعالى أو على حبه إياه أي المال . قال الأستاذ الامام : وهذا الايتاء غير إيتاء الزكاة الآتي وهو ركن من أركان البر وواجب كالزكاة . وذلك حيث تعرض الحاجة إلى البذل في غير وقت أداء الزكاة ، بان يرى الواجد مضطرا بعد أداء الزكاة أو قبل تمام الحول . وهو لا يشترط فيه نصاب معين بل هو على حسب الاستطاعة ، فإذا كان لا يملك إلا رغيفا ورأى مضطرا اليه في حال استغنائه عنه بأن لم يكن محتاجا اليه لنفسه أو لمن تجب عليه نفقته وجب عليه بذله . وليس المضطر وحده هو الذي له الحق في ذلك بل أمر اللّه تعالى المؤمن أن يعطي من