الشيخ محمد رشيد رضا
112
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
( 57 : 23 لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ ) وايمان التقليد لا يفتأ صاحبه مضطرب القلب ، ميت النفس ، إذا مسه الخير فهو فرح فخور ، وإذا مسه الشر فهو يؤوس كفور الايمان المطلوب معرفة تتمثل للمؤمن إذا عرضت له دواعي الشر وأسباب المعاصي فتحول دونها ، فإذا نسي فأصاب الذنب بادر إلى التوبة والإنابة . فالمؤمنون هم الذين وصفوا بقوله تعالى ( 3 : 153 وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ ؟ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) وهم ( 8 : 2 الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ) * وايمان التقليد يصر صاحبه على العصيان ، ويقترف الفواحش عامدا عالما ، لا يستحي من اللّه ولا يوجل قلبه إذا ذكره ، ولا يخافه إذا عصاه الايمان المطلوب هو الذي إذا علم صاحبه بان الايمان أصيب بمصيبة كانت مصيبته في دينه أشد عليه من المصيبة في نفسه وماله وولده ، وكان انبعاثه إلى تلافيها أعظم من انبعاثه إلى دفع الأذى عن حقيقته ، وجلب الرزق إلى نفسه وأهله وعشيرته ، وايمان المقلد لا غيرة معه على الدين ولا على الايمان ( 24 : 48 وَإِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ 49 وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ ) الآيات يذكر القرآن الايمان باللّه واليوم الآخر كثيرا وانما المراد به ماله مثل هذه الآثار التي شرحها في آيات كثيرة ، من أجمعها هذه الآية التي نفسرها الآن ، ولكن أهل التقليد الذين لا أثر للايمان في قلوبهم ولا في أعمالهم الا ما جرت به عادة قومهم من الاتيان ببعض الرسوم يؤولون كل هذه الآيات بجعلهم الايمان قسمين : قسما كاملا ، وهو الذي يصف القرآن أهله بما يصفهم به . وقسما ناقصا وهو إيمانهم الذي يجامع ما وصف اللّه تعالى به الكافرين والمنافقين ، ويرون أن الايمان الناقص كاف لنيل سعادة الآخرة ولا سيما إذا صحبه بعض الرسوم الدينية ولكن اللّه تعالى يرشدنا في مثل هذه الآية إلى أن الرسوم ليست من البر في شيء ،