الشيخ محمد رشيد رضا
113
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وإنما البر هو الايمان وما يظهر من آثاره في النفس والعمل كما ترى في الآية . وأساس ذلك الايمان باللّه واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين فالايمان باللّه يرفع النفوس عن الخضوع والاستعباد المرؤساء الذين استذلوا البشر بالسلطة الدينية وهي دعوى القداسة والوساطة عند اللّه ، ودعوى التشريع والقول على اللّه بدون اذن اللّه ، أو السلطة الدنيوية وهي سلطة الملك والاستبداد ، فان العبودية لغير اللّه تعالى تهبط بالبشر إلى دركة الحيوان المسخر أو الزرع المستنبت والايمان باليوم الآخر وبالملائكة يعلم الانسان أن له حياة في عالم غيبي أعلى من هذا العالم ، فلا يرضى لنفسه أن يكون سعيه وعمله لأجل خدمة هذا الجسد خاصة ، لان ذلك يجعله لا يبالي إلا بالأمور البهيمية ، ولا يرضى لنفسه بالأولى أن يكون عبدا ذليلا لبشر مثله للقب ديني أو دنيوي وقد أعزه اللّه بالايمان ، وإنما أئمة الدين عنده مبلغون لما شرع اللّه ، وأئمة الدنيا منفذون لاحكام اللّه . وانما الخضوع الديني للّه ولشرعه لا لشخوصهم وألقابهم ثم إن الايمان بالملائكة أصل للايمان بالوحي ، لان ملك الوحي روح عاقل عالم يفيض العلم باذن اللّه على روح النبي بما هو موضوع الدين ، ولذلك قدم ذكر الملائكة على ذكر الكتاب والنبيين ، فهم الذين يؤتون النبيين الكتاب ( 97 : 4 تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ ) ( 26 : 193 نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ) فيلزم من إنكار الملائكة إنكار الوحي والنبوة وإنكار الأرواح ، وذلك يستلزم إنكار اليوم الآخر ، ومن أنكر اليوم الآخر يكون أكبر همه لذات الدنيا وشهواتها وحظوظها ، وذلك أصل لشقاء الدنيا قبل شقاء الآخرة والملائكة خلق روحاني عاقل قائم بنفسه وهم من عالم الغيب فلا نبحث عن حقيقتهم كما تقدم غير مرة واختير لفظ الكتاب على الكتب للايماء إلى أن كلا من اليهود والنصارى لو صح ايمانهم بكتابهم وأذعنوا له لكان في ذلك هداية لهم ، وإن جهلوا وحدة الدين فلم يعرفوا حقية جميع الكتب الإلهية ، على أن المقصود لازمه وهو انهم لم « تفسير المنار » « 15 » « الجزء الثاني »