الشيخ محمد رشيد رضا
111
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
نفس الموصوف به فتفيدك أن البر هو الايمان وما يتبعه من الاعمال باعتبار اتحادهما وتلبس المؤمن البارّ بهما معا من حيث إن الايمان باعث على الاعمال وهي منبعثة عنه واثر له تستمد منه وتمده وتغذيه ، اي انها تمثل لك المعنى في الشخص ، أو الشخص عاملا بالبر ، وهذا أبلغ في النفس هنا من إسناد المعنى إلى المعنى ومن اسناد الذات إلى الذات كما هو مذوق ومفهوم ابتدأ بذكر الايمان باللّه واليوم الآخر لأنه أساس كل بر ، ومبدأ كل خير ، ولا يكون الايمان أصلا للبر الا إذا كان متمكنا من النفس بالبرهان ، مصحوبا بالخضوع والاذعان ، فمن نشأ بين قوم وسمع منهم اسم اللّه في حلفهم واسم الآخرة في حوارهم وقبل منهم بالتسليم أن له إلها وأن هناك يوما آخر يسمى يوم القيامة وان أهل دينه هم خير من أهل سائر الأديان ، فان ذلك لا يكون باعثا له على البر وان زادت معارفه بهذه الالفاظ المسلمة ، فحفظ الصفات العشرين التي حدد بعض المتكلمين بها ما يجب اثباته للّه تعالى عقلا ، وأضدادها التي تستحيل عليه عقلا ، وان حفظ العقيدة السنوسية المسماة بأم البراهين أيضا . ولقد كان أهل الكتاب الذين تبين لهم الآية خطأهم في فهم مقاصد الدين يؤمنون باللّه واليوم الآخر ، ولكنهم كانوا بمعزل عن الاذعان والقيام بحقوق هذا الايمان من الاعمال والأوصاف المذكورة في الآية الايمان المطلوب معرفة حقيقة تملك العقل بالبرهان ، والنفس بالاذعان ، حتى يكون اللّه ورسوله أحب إلى المؤمن من كل شيء ، ويؤثر أمرهما على كل شيء ( 9 : 24 قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ ) وايمان التقليد قد يفضل صاحبه حب كل واحد من هذه الأمور على حب اللّه ورسوله الايمان المطلوب معرفة تطمئن بها القلوب ، وتحيا بها النفوس ، وتخنس معها الوساوس ، وتبعد بها عن النفس الهواجس ، فلا تبطر صاحبها النعمة ، ولا تؤيسه النقمة ( الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ )