سيد قطب

3308

في ظلال القرآن

الطريق . فلما رأت خيل قريش قترة « 1 » الجيش ، قد خالفوا عن طريقهم ، رجعوا راكضين إلى قريش . وخرج رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - حتى إذا سلك في ثنية المرار بركت ناقته . فقال الناس : خلأت الناقة « 2 » . فقال : « ما خلأت . وما هو لها بخلق . ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة . لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يسألونني فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها - ( وفي رواية البخاري : والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات اللّه تعالى إلا أعطيتهم إياها ) . ثم قال للناس : « انزلوا » قيل له : يا رسول اللّه ، ما بالوادي ماء ينزل عليه . فأخرج سهما من كنانته فأعطاه رجلا من أصحابه . فنزل في قليب « 3 » من تلك القلب ، فغرزه في جوفه ، فجاش بالرواء . . فلما اطمأن رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - أتاه بديل بن ورقاء الخزاعي ، في رجال من خزاعة ، فكلموه ، وسألوه ما الذي جاء به ؟ فأخبرهم أنه لم يأت يريد حربا ، وإنما جاء زائرا للبيت ، ومعظما لحرمته . ثم قال لهم نحوا مما قال لبشر بن سفيان ؛ فرجعوا إلى قريش فقالوا : يا معشر قريش ، إنكم تعجلون على محمد . إن محمدا لم يأت لقتال ، وإنما جاء زائرا لهذا البيت . فاتهموهم وجبهوهم ، وقالوا : وإن كان جاء ولا يريد قتالا . فو اللّه لا يدخلها علينا عنوة أبدا ، ولا تحدث بذلك عنا العرب . وكانت خزاعة عيبة نصح « 4 » رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - مسلمها ومشركها ، لا يخفون عنه شيئا كان بمكة . ثم بعثوا إليه مكرز بن حفص بن الأخيف أخا بني عامر بن لؤي . فلما رآه رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - مقبلا قال : « هذا رجل غادر » . فلما انتهى إلى رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وكلمه ، قال له رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - نحوا مما قال لبديل وأصحابه ؛ فرجع إلى قريش ، فأخبرهم بما قال له رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ثم بعثوا إليه الحليس بن علقمة أو ابن زبان . وكان يومئذ سيد الأحابيش « 5 » ، وهو أحد بني الحارث بن عبد مناة بن كنانة . فلما رآه رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - قال : « إن هذا من قوم يتألهون - يعني يتعبدون - فابعثوا الهدي في وجهه حتى يراه » . فلما رأى الهدي يسيل عليه من عرض الوادي في قلائده ، وقد أكل أوباره من طول الحبس عن محله ، رجع إلى قريش ، ولم يصل إلى رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - إعظاما لما رأى . فقال لهم ذلك . فقالوا له : اجلس فإنما أنت أعرابي لا علم لك ! قال ابن إسحاق : فحدثني عبد اللّه بن أبي بكر أن الحليس غضب عند ذلك . وقال : يا معشر قريش ، واللّه ما على هذا حالفناكم ، ولا على هذا عاقدناكم . أيصد عن بيت اللّه من جاء معظما له ؟ والذي نفس الحليس بيده لتخلن بين محمد وبين ما جاء له ، أو لأنفرن بالأحابيش نفرة رجل واحد . قال : فقالوا له : مه . كف عنا يا حليس حتى نأخذ لأنفسنا ما نرضى به . قال الزهري : ثم بعثوا إلى رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - عروة بن مسعود الثقفي فقال : يا معشر قريش ، إني قد رأيت ما يلقى منكم من بعثتموه إلى محمد إذا جاءكم ، من التعنيف وسوء اللفظ . وقد عرفتم أنكم والد وأني ولد ( وكان نسبه لأمه في بني عبد شمس ) وقد سمعت بالذي نابكم ، فجمعت من أطاعني من

--> ( 1 ) قترة الجيش : غباره . ( 2 ) خلأت : كما تقول للدابة حرنت . ولا يقال خلأت إلا للناقة . ( 3 ) القليب : منخفض يحفظ بعض ماء المطر حين ينزل . ( 4 ) أي وعاء نصح . والمقصود أنهم ناصحون مخلصون . وقد دخلوا في عهد رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - كما سيجيء . ( 5 ) الأحابيش جمع حبشي بضم الحاء وسكون الباء نسبة إلى مكان في البادية .