سيد قطب
3309
في ظلال القرآن
قومي ، ثم جئتكم حتى آسيتكم بنفسي . قالوا : صدقت ، ما أنت عندنا بمتهم . فخرج حتى جاء رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - فجلس بين يديه . ثم قال : يا محمد . أجمعت أوشاب الناس ، ثم جئت بهم إلى بيضتك لتفضها بهم « 1 » ؟ إنها قريش قد خرجت معها العوذ المطافيل ، قد لبسوا جلود النمور ، يعاهدون اللّه لا تدخلها عليهم عنوة أبدا . وأيم اللّه لكأني بهؤلاء قد انكشفوا عنك غدا . قال : وأبو بكر خلف رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - قاعد . فزجره « 2 » وقال : أنحن نكشف عنه ؟ قال : من هذا يا محمد ؟ قال : « هذا ابن أبي قحافة » . قال . أما واللّه لولا يد كانت لك عندي لكافأتك بها . ولكن هذه بها . قال : ثم جعل يتناول لحية رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وهو يكلمه . قال : والمغيرة بن شعبة واقف على رأس رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - في الحديد . قال : فجعل يقرع يده إذا تناول لحية رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ويقول : اكفف يدك عن وجه رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - قبل أن لا تصل إليك ! قال : فيقول عروة : ويحك ! ما أفظك وأغلظك ! قال : فتبسم رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - فقال له عروة : من هذا يا محمد ؟ قال : « هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة » . قال : أي غدر « 3 » . وهل غسلت سوأتك إلا بالأمس ؟ قال ابن هشام : أراد عروة بقوله هذا أن المغيرة قبل إسلامه قتل ثلاثة عشر رجلا من بني مالك من ثقيف ، فتهايج الحيان من ثقيف : بنو مالك رهط المقتولين . والأحلاف رهط المغيرة . فودى عروة المقتولين ثلاث عشرة دية . وأصلح ذلك الأمر . قال ابن إسحاق : قال الزهري : فكلمه رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - بنحو مما كلم أصحابه ، وأخبره أنه لم يأت يريد حربا . فقام من عند رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وقد رأى ما يصنع به أصحابه : لا يتوضأ إلا ابتدروا وضوءه ، ولا يبصق بصاقا إلا ابتدروه ، ولا يسقط من شعره شيء إلا أخذوه . فرجع إلى قريش فقال : يا معشر قريش ، إني جئت كسرى في ملكه ، وقيصر في ملكه ، والنجاشي في ملكه ؛ وإني واللّه ما رأيت ملكا في قوم قط مثل محمد في أصحابه ؛ ولقد رأيت قوما لا يسلمونه لشيء أبدا . فروا رأيكم . قال ابن إسحاق : وحدثني بعض أهل العلم ، أن رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - دعا خراش بن أمية الخزاعي فبعثه إلى قريش بمكة ، وحمله على بعير له يقال له : الثعلب . ليبلغ أشرافهم عنه ما جاء له . فعقروا به جمل رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وأرادوا قتله ، فمنعته الأحابيش ، فخلوا سبيله حتى جاء رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . قال ابن إسحاق : وحدثني بعض من لا أتهم ، عن عكرمة مولى ابن عباس ( عن ابن عباس ) أن قريشا كانوا بعثوا أربعين رجلا منهم ، أو خمسين رجلا ، وأمروهم أن يطيفوا بعسكر رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ليصيبوا لهم من أصحابه أحدا . فأخذوا أخذا ، فأتي بهم رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - فعفا عنهم ، وخلى سبيلهم . وقد كانوا رموا في عسكر رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - بالحجارة والنبل . ثم دعا عمر بن الخطاب ليبعثه إلى مكة فيبلغ عنه أشراف قريش ما جاء له . فقال : يا رسول اللّه إني أخاف قريشا على نفسي ، وليس بمكة من بني عدي بن كعب أحد يمنعني . وقد عرفت قريش عداوتي إياها وغلظتي
--> ( 1 ) بيضة الرجل : أهله وقبيلته . وتفضها أي تكسرها . وهي كناية عن تحطيمهم . ( 2 ) في الرواية جملة نستبعد صدورها على لسان أبي بكر رضي اللّه عنه في أدبه وعفة لسانه . ( 3 ) أي : يا غادر .