سيد قطب

3875

في ظلال القرآن

ثم تتوالى التعقيبات . . « إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ » . . وإظهار حقيقة البطش وشدته في هذا الموضع هو الذي يناسب ما مر في الحادث من مظهر البطش الصغير الهزيل الذي يحسبه أصحابه ويحسبه الناس في الأرض كبيرا شديدا . فالبطش الشديد هو بطش الجبار . الذي له ملك السماوات والأرض . لا بطش الضعاف المهازيل الذين يتسلطون على رقعة من الأرض محدودة ، في رقعة من الزمان محدودة . . ويظهر التعبير العلاقة بين المخاطب - وهو الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - والقائل وهو اللّه عزّ وجل . وهو يقول له : « إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ . . » ربك الذي تنتسب إلى ربوبيته ، وسندك الذي تركن إلى معونته . . ولهذه النسبة قيمتها في هذا المجال الذي يبطش فيه الفجار بالمؤمنين ! « إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ » . . والبدء والإعادة وإن اتجه معناهما الكلي إلى النشأة الأولى والنشأة الآخرة . . إلا أنهما حدثان دائبان في كل لحظة من ليل أو نهار . ففي كل لحظة بدء وإنشاء ، وفي كل لحظة إعادة لما بلي ومات . والكون كله في تجدد مستمر . . وفي بلى مستمر . . وفي ظل هذه الحركة الدائبة الشاملة من البدء والإعادة يبدو حادث الأخدود ونتائجه الظاهرة مسألة عابرة في واقع الأمر وحقيقة التقدير . فهو بدء لإعادة . أو إعادة لبدء . في هذه الحركة الدائبة الدائرة . . « وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ » . . والمغفرة تتصل بقوله من قبل : « ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا » . . فهي من الرحمة والفضل الفائض بلا حدود ولا قيود . وهي الباب المفتوح الذي لا يغلق في وجه عائد تائب . ولو عظم الذنب وكبرت المعصية . . أما الود . . فيتصل بموقف المؤمنين ، الذين اختاروا ربهم على كل شيء . وهو الإيناس اللطيف الحلو الكريم . حين يرفع اللّه عباده الذين يؤثرونه ويحبونه إلى مرتبة ، يتحرج القلم من وصفها لولا أن فضل اللّه يجود بها . . مرتبة الصداقة . . الصداقة بين الرب والعبد . . ودرجة الود من اللّه لأودائه وأحبائه المقربين . . فما ذا تكون الحياة التي ضحوا بها وهي ذاهبة ؟ وما ذا يكون العذاب الذي احتملوه وهو موقوت ؟ ما ذا يكون هذا إلى جانب قطرة من هذا الود الحلو ؟ وإلى جانب لمحة من هذا الإيناس الحبيب ؟ إن عبيدا من رقيق هذه الأرض . عبيد الواحد من البشرة ، ليلقون بأنفسهم إلى التهلكة لكلمة تشجيع تصدر من فمه ، أو لمحة رضاء تبدو في وجهه . . وهو عبد وهم عبيد . . فكيف بعباد اللّه . الذين يؤنسهم اللّه بوده الكريم الجليل ، اللّه « ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ » العالي المهيمن الماجد الكريم ؟ ألا هانت الحياة . وهان الألم . وهان العذاب . وهان كل غال عزيز ، في سبيل لمحة رضى يجود بها المولى الودود ذو العرش المجيد . . « فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ » . . هذه صفته الكثيرة التحقق ، الدائبة العمل . . فعال لما يريد . . فهو مطلق الإرادة ، يختار ما يشاء ؛ ويفعل ما يريده ويختاره ، دائما أبدا ، فتلك صفته سبحانه . يريد مرة أن ينتصر المؤمنون به في هذه الأرض لحكمة يريدها . ويريد مرة أن ينتصر الإيمان على الفتنة وتذهب الأجسام الفانية لحكمة يريدها . . يريد مرة أن يأخذ الجبارين في الأرض . ويريد مرة أن يمهلهم لليوم الموعود . . لحكمة تتحقق هنا وتتحقق هناك ، في قدره المرسوم . . فهذا طرف من فعله لما يريد . يناسب الحادث ويناسب ما سيأتي من حديث فرعون وثمود . وتبقى حقيقة الإرادة الطليقة والقدرة المطلقة وراء الأحداث ووراء الحياة والكون تفعل فعلها في الوجود . فعال لما يريد . وهاك نموذجا من فعله لما يريد :