سيد قطب

3876

في ظلال القرآن

« هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ : فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ ؟ » . وهي إشارة إلى قصتين طويلتين ، ارتكانا إلى المعلوم من أمرهما للمخاطبين ، بعد ما ورد ذكرهما كثيرا في القرآن الكريم . ويسميهم الجنود . إشارة إلى قوتهم واستعدادهم . . هل أتاك حديثهم ؟ وكيف فعل ربك بهم ما يريد ؟ وهما حديثان مختلفان في طبيعتهما وفي نتائجهما . . فأما حديث فرعون ، فقد أهلكه اللّه وجنده ونجى بني إسرائيل ، ومكن لهم في الأرض فترة ، ليحقق بهم قدرا من قدره ، وإرادة من إرادته . وأما حديث ثمود فقد أهلكهم اللّه عن بكرة أبيهم وأنجى صالحا والقلة معه حيث لم يكن لهم بعد ذلك ملك ولا تمكين . إنما هي مجرد النجاة من القوم الفاسقين . وهما نموذجان لفعل الإرادة ، وتوجه المشيئة . وصورتان من صور الدعوة إلى اللّه واحتمالاتها المتوقعة ، إلى جانب الاحتمال الثالث الذي وقع في حادث الأخدود . . وكلها يعرضها القرآن للقلة المؤمنة في مكة ، ولكل جيل من أجيال المؤمنين . . وفي الختام يجيء إيقاعان قويان جازمان . في كل منهما تقرير ، وكلمة فصل وحكم أخير : « بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ ، وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ » . . فشأن الكفار وحقيقة حالهم أنهم في تكذيب يمسون به ويصبحون . « وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ » . . وهم غافلون عما يحيط بهم من قهر اللّه وعلمه . فهم أضعف من الفيران المحصورة في الطوفان العميم ! « بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ » . . والمجيد الرفيع الكريم العريق . . وهل أمجد وأرفع وأعرق من قول اللّه العظيم ؟ وهو في لوح محفوظ . لا ندرك نحن طبيعته ، لأنه من أمر الغيب الذي تفرد اللّه بعلمه . إنما ننتفع نحن بالظل الذي يلقيه التعبير ، والإيحاء الذي يتركه في القلوب . وهو أن هذا القرآن مصون ثابت ، قوله هو المرجع الأخير ، في كل ما يتناوله من الأمور . يذهب كل قول ، وقوله هو المرعي المحفوظ . . ولقد قال القرآن قوله في حادث الأخدود ، وفي الحقيقة التي وراءه . . وهو القول الأخير . .