سيد قطب
3829
في ظلال القرآن
بذلك التوجيه الإلهي وبهذا الهدي النبوي كان الميلاد للبشرية على هذا النحو الفريد . ونشأ المجتمع الرباني الذي يتلقى قيمه وموازينه من السماء ، طليقا من قيود الأرض ، بينما هو يعيش على الأرض . . وكانت هذه هي المعجزة الكبرى للإسلام . المعجزة التي لا تتحقق إلا بإرادة إله ، وبعمل رسول . والتي تدل بذاتها على أن هذا الدين من عند اللّه ، وأن الذي جاء به للناس رسول ! وكان من تدبير اللّه لهذا الأمر أن يليه بعد رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلم - صاحبه الأول أبو بكر ، وصاحبه الثاني عمر . . أقرب اثنين لإدراك طبيعة هذا الأمر ، وأشد اثنين انطباعا بهدي رسول اللّه ، وأعمق اثنين حبا لرسول اللّه ، وحرصا على تتبع مواضع حبه ومواقع خطاه . حفظ أبو بكر - رضي اللّه عنه - عن صاحبه - صلّى اللّه عليه وسلم - ما أراده في أمر أسامة . فكان أول عمل له بعد توليه الخلافة هو إنفاذه بعث أسامة ، على رأس الجيش الذي أعده رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلم - وسار يودعه بنفسه إلى ظاهر المدينة . أسامة راكب وأبو بكر الخليفة راجل . فيستحيي أسامة الفتى الحدث أن يركب والخليفة الشيخ يمشي . فيقول : « يا خليفة رسول اللّه لتركبن أو لأنزلن » . . فيقسم الخليفة : « واللّه لا تنزل . وو اللّه لا أركب . وما علي أن أغبر قدمي في سبيل اللّه ساعة ؟ » . . ثم يرى أبو بكر أنه في حاجة إلى عمر . وقد حمل عبء الخلافة الثقيل . ولكن عمر إنما هو جندي في جيش أسامة . وأسامة هو الأمير . فلا بد من استئذانه فيه . فإذا الخليفة يقول : « إن رأيت أن تعينني بعمر فافعل » . . يا للّه ! إن رأيت أن تعينني فافعل . . إنها آفاق عوال ، لا يرقى إليها الناس إلا بإرادة اللّه ، على يدي رسول من عند اللّه ! ثم تمضي عجلة الزمن فنرى عمر بن الخطاب خليفة يولي عمار بن ياسر على الكوفة . ويقف بباب عمر سهيل بن عمرو بن الحارث بن هشام ، وأبو سفيان بن حرب ، وجماعة من كبراء قريش من الطلقاء ! فيأذن قبلهم لصهيب وبلال . لأنهما كانا من السابقين إلى الإسلام ومن أهل بدر . فتورم أنف أبي سفيان ، ويقول بانفعال الجاهلية : « لم أر كاليوم قط . يأذن لهؤلاء العبيد ويتركنا على بابه ! » . . فيقول له صاحبه - وقد استقرت في حسه حقيقة الإسلام - : « أيها القوم . إني واللّه أرى الذي في وجوهكم . إن كنتم غضابا فاغضبوا على أنفسكم . دعي القوم إلى الإسلام ودعيتم . فأسرعوا وأبطأتم . فكيف بكم إذا دعوا يوم القيامة وتركتم ؟ « 1 » » . ويفرض عمر لأسامة بن زيد أكبر مما يفرض لعبد اللّه بن عمر . حتى إذا سأله عبد اللّه عن سر ذلك قال له : « يا بني . كان زيد - رضي اللّه عنه - أحب إلى رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلم - من أبيك ! وكان أسامة - رضي اللّه عنه - أحب إلى رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلم - منك ! فآثرت حب رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلم - على حبي » « 2 » . . يقولها عمر وهو يعلم أن حب رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلم - إنما كان مقوما بميزان السماء ! ويرسل عمر عمارا ليحاسب خالد بن الوليد - القائد المظفر صاحب النسب العريق - فيلببه بردائه . . ويروى أنه أوثقه بشال عمامته حتى ينتهي من حسابه فتظهر براءته فيفك وثاقه ويعممه بيده . . وخالد لا يرى في هذا
--> ( 1 ) عن كتاب : العدالة الاجتماعية في الإسلام . « دار الشروق » . ( 2 ) أخرجه الترمذي .