سيد قطب
3830
في ظلال القرآن
كله بأسا . فإنما هو عمار صاحب رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلم - السابق إلى الإسلام الذي قال عنه رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلم - ما قال ! وعمر هو الذي يقول عن أبي بكر - رضي اللّه عنهما - هو سيدنا وأعتق سيدنا . يعني بلالا . الذي كان مملوكا لأمية بن خلف . وكان يعذبه عذابا شديدا . حتى اشتراه منه أبو بكر وأعتقه . . وعنه يقول عمر بن الخطاب . . عن بلال . . سيدنا ! وعمر هو الذي قال : « ولو كان سالم مولى أبي حذيفة حيا لاستخلفته » يقول هذا ، وهو لم يستخلف عثمان ولا عليا ، ولا طلحة ولا الزبير . . إنما جعل الشورى في الستة بعده ولم يستخلف أحدا بذاته ! وعلي بن أبي طالب - كرم اللّه وجهه - يرسل عمارا والحسن بن علي - رضي اللّه عنهما - إلى أهل الكوفة يستنفرهم في الأمر الذي كان بينه وبين عائشة - رضي اللّه عنها - فيقول : « إني لأعلم أنها زوجة نبيكم - صلّى اللّه عليه وسلم - في الدنيا والآخرة ، ولكن اللّه ابتلاكم لتتبعوه أو تتبعوها » « 1 » . . فيسمع له الناس في شأن عائشة أم المؤمنين ، وبنت الصديق أبي بكر - رضي اللّه عنهم جميعا . وبلال بن رباح يرجوه أخوه في الإسلام أبو رويحة الخثعمي أن يتوسط له في الزواج من قوم من أهل اليمن . فيقول لهم : « أنا بلال بن رباح ، وهذا أخي أبو رويحة ، وهو امرؤ سوء في الخلق والدين . فإن شئتم أن تزوجوه فزوجوه ، وإن شئتم أن تدعوا فدعوا » . . فلا يدلس عليهم ، ولا يخفي من أمر أخيه شيئا ، ولا يذكر أنه وسيط وينسى أنه مسؤول أمام اللّه فيما يقول . . فيطمئن القوم إلى هذا الصدق . . ويزوجون أخاه ، وحسبهم - وهو العربي ذو النسب - أن يكون بلال المولى الحبشي وسيطه ! واستقرت تلك الحقيقة الكبيرة في المجتمع الإسلامي ، وظلت مستقرة بعد ذلك آمادا طويلة على الرغم من عوامل الانتكاس الكثيرة . « وقد كان عبد اللّه بن عباس يذكر ويذكر معه مولاه عكرمة . وكان عبد اللّه ابن عمر يذكر ويذكر معه مولاه نافع . وأنس بن مالك ومعه مولاه ابن سيرين . وأبو هريرة ومعه مولاه عبد الرحمن بن هرمز . وفي البصرة كان الحسن البصري . وفي مكة كان مجاهد بن جبر ، وعطاء بن رباح ، وطاوس بن كيسان هم الفقهاء . وفي مصر تولى الفتيا يزيد بن أبي حبيب في أيام عمر بن عبد العزيز وهو مولى أسود من دنقلة » « 2 » . . وظل ميزان السماء يرجح بأهل التقوى ولو تجردوا من قيم الأرض كلها . . في اعتبار أنفسهم وفي اعتبار الناس من حولهم . ولم يرفع هذا الميزان من الأرض إلا قريبا جدا بعد أن طغت الجاهلية طغيانا شاملا في أنحاء الأرض جميعا . وأصبح الرجل يقوم برصيده من الدولارات في أمريكا زعيمة الدول الغربية . وأصبح الإنسان كله لا يساوي الآلة في المذهب المادي المسيطر في روسيا زعيمة الدول الشرقية . أما أرض المسلمين فقد سادت فيها الجاهلية الأولى ، التي جاء الإسلام ليرفعها من وهدتها ؛ وانطلقت فيها نعرات كان الإسلام قد قضى عليها . وحطمت ذلك الميزان الإلهي وارتدت إلى قيم جاهلية زهيدة لا تمت بصلة إلى الإيمان والتقوى . . ولم يعد هنالك إلا أمل يناط بالدعوة الإسلامية أن تنقذ البشرية كلها مرة أخرى من الجاهلية ؛ وأن يتحقق
--> ( 1 ) أخرجه البخاري . ( 2 ) مستقى من كتاب أبو حنيفة للأستاذ عبد الحليم الجندي .