سيد قطب

3826

في ظلال القرآن

هذه هي الحقيقة الكبيرة التي استهدف التوجيه الإلهي إقرارها في هذه المناسبة ، على طريقة القرآن في اتخاذ الحادث المفرد والمناسبة المحدودة ، وسيلة لإقرار الحقيقة المطلقة والمنهج المطرد . ولقد انفعلت نفس الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - لهذا التوجيه ، ولذلك العتاب . انفعلت بقوة وحرارة ، واندفعت إلى إقرار هذه الحقيقة في حياته كلها ، وفي حياة الجماعة المسلمة . بوصفها هي حقيقة الإسلام الأولى . وكانت الحركة الأولى له - صلى اللّه عليه وسلم - هي إعلان ما نزل له من التوجيه والعتاب في الحادث . وهذا الإعلان أمر عظيم رائع حقا . أمر لا يقوى عليه إلا رسول ، من أي جانب نظرنا إليه في حينه . نعم لا يقوى إلا رسول على أن يعلن للناس أنه عوتب هذا العتاب الشديد ، بهذه الصورة الفريدة في خطأ أتاه ! وكان يكفي لأي عظيم - غير الرسول - أن يعرف هذا الخطأ وأن يتلافاه في المستقبل . ولكنها النبوة . أمر آخر . وآفاق أخرى ! لا يقوى إلا رسول على أن يقذف بهذا الأمر هكذا في وجوه كبراء قريش في مثل تلك الظروف التي كانت فيها الدعوة ، مع أمثال هؤلاء المستعزين بنسبهم وجاههم ومالهم وقوتهم ، في بيئة لامكان فيها لغير هذه الاعتبارات ، إلى حد أن يقال فيها عن محمد بن عبد اللّه بن عبد المطلب بن هاشم : « لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ! » . . وهذا نسبه فيهم ، لمجرد أنه هو شخصيا لم تكن له رئاسة فيهم قبل الرسالة ! ثم إنه لا يكون مثل هذا الأمر في مثل هذه البيئة إلا من وحي السماء . فما يمكن أن ينبثق هذا من الأرض . . ومن هذه الأرض بذاتها في ذلك الزمان ! ! وهي قوة السماء التي دفعت مثل هذا الأمر في طريقه ؛ فإذا هو ينفذ من خلال نفس النبي - صلى اللّه عليه وسلم - إلى البيئة من حوله ؛ فيتقرر فيها بعمق وقوة واندفاع ، يطرد به أزمانا طويلة في حياة الأمة المسلمة . لقد كان ميلادا جديدا للبشرية كميلاد الإنسان في طبيعته . وأعظم منه خطرا في قيمته . . أن ينطلق الإنسان حقيقة - شعورا وواقعا - من كل القيم المتعارف عليها في الأرض ، إلى قيم أخرى تتنزل له من السماء منفصلة منعزلة عن كل ما في الأرض من قيم وموازين وتصورات واعتبارات وملابسات عملية ، وارتباطات واقعية ذات ضغط وثقل ، ووشائج متلبسة باللحم والدم والأعصاب والمشاعر . ثم أن تصبح القيم الجديدة مفهومة من الجميع ، مسلما بها من الجميع . وأن يستحيل الأمر العظيم بديهية الضمير المسلم ، وشريعة المجتمع المسلم ، وحقيقة الحياة الأولى في المجتمع الإسلامي لآماد طويلة في حياة المسلمين . إننا لا نكاد ندرك حقيقة ذلك الميلاد الجديد . لأننا لا نتمثل في ضمائرنا حقيقة هذا الانطلاق من كل ما تنشئه أوضاع الأرض وارتباطاتها من قيم وموازين واعتبارات ساحقة الثقل إلى الحد الذي يخيل لبعض أصحاب المذاهب « التقدمية ! » أن جانبا واحدا منها - هو الأوضاع الاقتصادية - هو الذي يقرر مصائر الناس وعقائدهم وفنونهم وآدابهم وقوانينهم وعرفهم وتصورهم للحياة ! كما يقول أصحاب مذهب التفسير المادي للتاريخ في ضيق أفق ، وفي جهالة طاغية بحقائق النفس وحقائق الحياة ! إنها المعجزة . معجزة الميلاد الجديد للإنسان على يد الإسلام في ذلك الزمان . .