سيد قطب

3827

في ظلال القرآن

ومنذ ذلك الميلاد سادت القيم التي صاحبت ذلك الحادث الكوني العظيم . . ولكن المسألة لم تكن هينة ولا يسيرة في البيئة العربية ، ولا في المسلمين أنفسهم . . غير أن الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - قد استطاع - بإرادة اللّه ، وبتصرفاته هو وتوجيهاته المنبعثة من حرارة انفعاله بالتوجيه القرآني الثابت - أن يزرع هذه الحقيقة في الضمائر وفي الحياة ؛ وأن يحرسها ويرعاها ، حتى تتأصل جذورها ، وتمتد فروعها ، وتظلل حياة الجماعة المسلمة قرونا طويلة . . على الرغم من جميع عوامل الانتكاس الأخرى . . كان رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - بعد هذا الحادث يهش لابن أم مكتوم ويرعاه ؛ ويقول له كلما لقيه : « أهلا بمن عاتبني فيه ربي » وقد استخلفه مرتين بعد الهجرة على المدينة . . ولكي يحطم موازين البيئة وقيمها المنبثقة من اعتبار الأرض ومواضعاتها ، زوج بنت خالته زينب بنت جحش الأسدية ، لمولاه زيد بن حارثة . ومسألة الزواج والمصاهرة مسألة حساسة شديدة الحساسية . وفي البيئة العربية بصفة خاصة . وقبل ذلك حينما آخى بين المسلمين في أول الهجرة ، جعل عمه حمزة ومولاه زيدا أخوين . وجعل خالد بن رويحة الخثعمي وبلال بن رباح أخوين ! وبعث زيدا أميرا في غزوة مؤتة ، وجعله الأمير الأول ، يليه جعفر بن أبي طالب ، ثم عبد اللّه بن رواحة الأنصاري ، على ثلاثة آلاف من المهاجرين والأنصار ، فيهم خالد بن الوليد . وخرج رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - بنفسه يشيعهم . . وهي الغزوة التي استشهد فيها الثلاثة رضي اللّه عنهم . وكان آخر عمل من أعماله - صلى اللّه عليه وسلم - أن أمّر أسامة بن زيد على جيش لغزو الروم ، يضم كثرة من المهاجرين والأنصار ، فيهم أبو بكر وعمر وزيراه ، وصاحباه ، والخليفتان بعده بإجماع المسلمين . وفيهم سعد بن أبي وقاص قريبه - صلى اللّه عليه وسلم - ومن أسبق قريش إلى الإسلام . وقد تململ بعض الناس من إمارة أسامة وهو حدث . وفي ذلك قال ابن عمر رضي اللّه عنهما - : بعث رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - بعثا أمر عليهم أسامة بن زيد - رضي اللّه عنهما - فطعن بعض الناس في إمارته ، فقال النبي - صلى اللّه عليه وسلم - إن تطعنوا في إمارته فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل . وأيم اللّه إن كان لخليقا للإمارة ، وإن كان لمن أحب الناس إليّ . وإن هذا لمن أحب الناس إلي « 1 » . . ولما لغطت ألسنة بشأن سلمان الفارسي ، وتحدثوا عن الفارسية والعربية ، بحكم إيحاءات القومية الضيقة ، ضرب رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ضربته الحاسمة في هذا الأمر فقال : « سلمان منا أهل البيت « 2 » » فتجاوز به - بقيم السماء وميزانها - كل آفاق النسب الذي يستعزون به ، وكل حدود القومية الضيقة التي يتحمسون لها . . وجعله من أهل البيت رأسا ! ولما وقع بين أبي ذر الغفاري وبلال بن رباح - رضي اللّه عنهما - ما أفلت معه لسان أبي ذر بكلمة « يا بن السوداء » . . غضب لها رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - غضبا شديدا ؛ وألقاها في وجه أبي ذر عنيفة مخيفة :

--> ( 1 ) أخرجه الشيخان والترمذي . ( 2 ) أخرجه الطبراني والحاكم .