سيد قطب
3300
في ظلال القرآن
الحديث في الشطر الأول من هذا الشوط الأخير من السورة عن « الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدى » . . وهؤلاء ، الأقرب أن يكونوا هم المشركين الذين كان الحديث عنهم في أول السورة . فهم الذين ينطبق عليهم هذا التبجح في الوقوف للدعوة الإسلامية . التبجح الذي يعبر عنه بالصد عن سبيل اللّه ومشاقة الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - وإن كان هناك احتمال آخر ، وهو أن يكون الحديث عاما لكل من يقف هذا الموقف ؛ يشمل اليهود في المدينة ويشمل المنافقين ، على سبيل التهديد لهم إذا هموا أن يقفوا مثل هذا الموقف جهرة أو سرا . ولكن الاحتمال الأول أقرب على كل حال . أما الحديث في الشطر الثاني والأخير حتى ختام السورة فهو خطاب للمؤمنين ، يدعوهم إلى مواصلة الجهاد بالنفس وبالمال ، دون تراخ أو دعوة إلى مهادنة الكفر المعتدي الظالم ، تحت أي مؤثر من ضعف أو مراعاة قرابة أو رعاية مصلحة . ودون بخل بالمال الذي لا يكلفهم اللّه أن ينفقوا منه إلا في حدود مستطاعة ، مراعيا الشح الفطري في النفوس ! وإن لا ينهضوا بتكاليف هذه الدعوة فإن اللّه يحرمهم كرامة حملها والانتداب لها ، ويستبدل بهم قوما غيرهم ينهضون بتكاليفها ، ويعرفون قدرها . وهو تهديد عنيف مخيف يناسب جو السورة ، كما يشي بأنه كان علاجا لحالات نفسية قائمة في صفوف المسلمين إذ ذاك - من غير المنافقين - وذلك إلى جانب حالات التفاني والتجرد والشجاعة والفداء التي اشتهرت بها الروايات . فقد كان في الجماعة المسلمة هؤلاء وهؤلاء . وكان القرآن يعالج ويربي لينهض بالمتخلفين إلى المستوي العالي الكريم . . « إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ، وَشَاقُّوا الرَّسُولَ - مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدى - لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً ، وَسَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ » . . إنه قرار من اللّه مؤكد ، ووعد منه واقع : أن الذين كفروا ، ووقفوا في وجه الحق أن يبلغ إلى الناس ؛ وصدوا الناس عنه بالقوة أو المال أو الخداع أو أية وسيلة من الوسائل ، وشاقوا الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - في حياته بإعلان الحرب عليه ، والمخالفة عن طريقه ، والوقوف في غير صفه . أو بعد وفاته بمحاربة دينه وشريعته ومنهجه والمتبعين لسنته والقائمين على دعوته . وذلك « مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدى » . . وعرفوا أنه الحق ؛ ولكنهم اتبعوا الهوى ، وجمح بهم العناد ، وأعماهم الغرض ، وقادتهم المصلحة العاجلة . . قرار من اللّه مؤكد ، ووعد من اللّه واقع أن هؤلاء « لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً » . . وهم أضأل وأضعف من أن يذكروا في مجال إلحاق ضرر باللّه سبحانه وتعالى . فليس هذا هو المقصود . إنما المقصود أنهم لن يضروا دين اللّه ولا منهجه ولا القائمين على دعوته . ولن يحدثوا حدثا في نواميسه وسننه . مهما بلغ من قوتهم ، ومهما قدروا على إيذاء بعض المسلمين فترة من الوقت . فإن هذا بلاء وقتي يقع بإذن اللّه لحكمة يريدها ؛ وليست ضرا حقيقيا لناموس اللّه وسنته ونظامه ونهجه وعباده القائمين على نظامه ونهجه . والعاقبة مقررة : « وَسَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ » . . فتنتهي إلى الخيبة والدمار . كما تنتهي الماشية التي ترعى ذلك النبات السام ! وفي ظل هذا المصير المخيف للذين كفروا وصدوا عن سبيل اللّه وشاقوا الرسول . . يلتفت إلى الذين آمنوا ليحذرهم ظل هذا المصير ، ويوجههم إلى طاعة اللّه وطاعة الرسول : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ، وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ » . . وهذا التوجيه يوحي بأنه كان في الجماعة المسلمة يومئذ من لا يتحرى الطاعة الكاملة ؛ أو من تثقل عليه بعض التكاليف ، وتشق عليه بعض التضحيات ، التي يقتضيها جهاد هذه الطوائف القوية المختلفة التي تقف