سيد قطب
3301
في ظلال القرآن
للإسلام ، وتناوشه من كل جانب ؛ والتي تربطها بالمسلمين مصالح ووشائج قربى يصعب فصمها والتخلي عنها نهائيا كما تقتضي العقيدة ذلك . ولقد كان وقع هذا التوجيه عنيفا عميقا في نفوس المسلمين الصادقين ؛ فارتعشت له قلوبهم ، وخافوا أن يقع منهم ما يبطل أعمالهم ، ويذهب بحسناتهم . . قال الإمام أحمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة : حدثنا أبو قدامة ، حدثنا وكيع ، حدثنا أبو جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية ، قال : كان أصحاب رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - يرون أنه لا يضر مع لا إله إلا اللّه ذنب ، كما لا ينفع مع الشرك عمل ، فنزلت : « أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ » . . فخافوا أن يبطل الذنب العمل . وروي من طريق عبد اللّه بن المبارك ، أخبرني بكر بن معروف ، عن مقاتل بن حيان ، عن نافع ، عن ابن عمر - رضي اللّه عنهما - قال : « كنا معشر أصحاب رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - نرى أنه ليس شيء من الحسنات إلا مقبول ، حتى نزلت : « أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ » . . فقلنا : ما هذا الذي يبطل أعمالنا ؟ فقلنا : الكبائر الموجبات والفواحش . حتى نزل قوله تعالى : « إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ » * . . فلما نزلت كففنا عن القول في ذلك . فكنا نخاف على من أصاب الكبائر والفواحش ونرجو لمن لم يصبها . ومن هذه النصوص يتجلى كيف كانت نفوس المسلمين الصادقين تتلقى آيات القرآن : كيف تهتز لها وتضطرب ، وكيف ترتجف منها وتخاف ، وكيف تحذر أن تقع تحت طائلتها ، وكيف تتحرى أن تكون وفقها ، وأن تطابق أنفسها عليها . . وبهذه الحساسية في تلقي كلمات اللّه كان المسلمون مسلمين من ذلك الطراز ! ثم بين اللّه لهم في الآية التالية مصير الذين يشاقون رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ويخرجون عن طاعته ، ثم يصرون على هذا ، ويذهبون من هذه الأرض كافرين : « إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ، ثُمَّ ماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ ، فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ » . . فالفرصة متاحة فقط للمغفرة في هذه الدنيا ؛ وباب التوبة يظل مفتوحا للكافر وللعاصي حتى يغرغر . فإذا بلغت الروح الحلقوم فلا توبة ولا مغفرة ، فقد ذهبت الفرصة التي لا تعود . ومثل هذه الآية يخاطب المؤمنين كما يخاطب الكفار . فأما هؤلاء فهي نذارة لهم ليتداركوا أمرهم ويتوبوا قبل أن تغلق الأبواب . وأما أولئك فهي تحذير لهم وتنبيه لاتقاء كافة الأسباب التي تقرب بهم من هذا الطريق الخطر المشئوم ! ندرك هذا من ترتيب النهي عن الوهن والدعوة إلى السلم في الآية التالية على ما ورد في الآية السابقة من بيان لمصير الكافرين المشاقين : « فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ ، وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ ، وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ » . . فهذا هو الذي يحذر المؤمنين إياه ، ويضع أمامهم مصير الكفار المشاقين للرسول ، ليحذروا شبحه من بعيد ! وهذا التحذير يشي بوجود أفراد من المسلمين كانوا يستثقلون تكاليف الجهاد الطويل ومشقته الدائمة ؛ وتهن عزائمهم دونه ؛ ويرغبون في السلم والمهادنة ليستريحوا من مشقة الحروب . وربما كان بعضهم ذوي قرابة في المشركين ورحم ، أو ذوي مصالح وأموال ؛ وكان هذا يجنح بهم إلى السلم والمهادنة . فالنفس البشرية هي