سيد قطب

3789

في ظلال القرآن

هذه السورة حادة الملامح ، عنيفة المشاهد ، شديدة الإيقاع ، كأنها سياط لاذعة من نار . وهي تقف القلب وقفة المحاكمة الرهيبة ، حيث يواجه بسيل من الاستفهامات والاستنكارات والتهديدات ، تنفذ إليه كالسهام المسنونة ! وتعرض السورة من مشاهد الدنيا والآخرة ، وحقائق الكون والنفس ، ومناظر الهول والعذاب ما تعرض . وعقب كل معرض ومشهد تلفح القلب المذنب لفحة كأنها من نار : « وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ » ! ويتكرر هذا التعقيب عشر مرات في السورة . وهو لازمة الإيقاع فيها . وهو أنسب تعقيب لملامحها الحادة ، ومشاهدها العنيفة ، وإيقاعها الشديد . وهذه اللازمة تذكرنا باللازمة المكررة في سورة « الرحمن » عقب عرض كل نعمة من نعم اللّه على العباد : « فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ؟ » * . . كما تذكرنا باللازمة المكررة في سورة « القمر » عقب كل حلقة من حلقات العذاب : « فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ ؟ » * . . وتكرارها هنا على هذا النحو يعطي السورة سمة خاصة ، وطعما مميزا . . حادا . . وتتوالى مقاطع السورة وفواصلها قصيرة سريعة عنيفة ، متعددة القوافي . كل مقطع بقافية . ويعود السياق أحيانا إلى بعض القوافي مرة بعد مرة . ويتلقى الحس هذه المقاطع والفواصل والقوافي بلذعها الخاص ، وعنفها الخاص . واحدة إثر واحدة . وما يكاد يفيق من إيقاع حتى يعاجله إيقاع آخر ، بنفس العنف وبنفس الشدة . ومنذ بداية السورة والجو عاصف ثائر بمشهد الرياح أو الملائكة : « وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً . فَالْعاصِفاتِ عَصْفاً . وَالنَّاشِراتِ نَشْراً فَالْفارِقاتِ فَرْقاً . فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً ، عُذْراً أَوْ نُذْراً » . . وهو افتتاح يلتئم مع جو السورة وظلها تمام الالتئام . وللقرآن في هذا الباب طريقة خاصة في اختيار اطار للمشاهد في بعض السور من لون هذه المشاهد وقوتها . . وهذا نموذج منها ، كما اختار إطارا من الضحى والليل إذا سجى لمشاهد الرعاية والحنان والإيواء في « سورة الضحى » وإطارا من العاديات الضابحة الصاخبة المثيرة للغبار لمشاهد بعثرة القبور وتحصيل ما في الصدور في سورة « وَالْعادِياتِ » . . وغيرها كثير « 1 » .

--> ( 1 ) يراجع فصل التناسق الفني في كتاب : التصوير الفني . . « دار الشروق » .