سيد قطب

3790

في ظلال القرآن

وكل مقطع من مقاطع السورة العشرة بعد هذا المطلع ، يمثل جولة أو رحلة في عالم ، تتحول السورة معه إلى مساحات عريضة من التأملات والمشاعر والخواطر والتأثرات والاستجابات . . أعرض بكثير جدا من مساحة العبارات والكلمات ، وكأنما هذه سهام تشير إلى عوالم شتى ! والجولة الأولى تقع في مشاهد يوم الفصل . وهي تصور الانقلابات الكونية الهائلة في السماء والأرض ، وهي الموعد الذي تنتهي إليه الرسل بحسابها مع البشر : « فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ . وَإِذَا السَّماءُ فُرِجَتْ . وَإِذَا الْجِبالُ نُسِفَتْ . وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ . لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ ؟ لِيَوْمِ الْفَصْلِ . وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الْفَصْلِ ؟ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ! » . والجولة الثانية مع مصارع الغابرين ، وما تشير إليه من سنن اللّه في المكذبين : « أَ لَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ ؟ ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ ؟ كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ . وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ! » . . والجولة الثالثة مع النشأة الأولى وما توحي به من تقدير وتدبير : « أَ لَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ ؟ فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ ؟ إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ ؟ فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ . وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ! » . . والجولة الرابعة في الأرض التي تضم أبناءها إليها أحياء وأمواتا ، وقد جهزت لهم بالاستقرار والماء المحيي : « أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً ؟ أَحْياءً وَأَمْواتاً ، وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً ؟ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ! » . . والجولة الخامسة مع المكذبين وما يلقونه يوم الفصل من عذاب وتأنيب : « انْطَلِقُوا إِلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ . انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ ! لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ . إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ . وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ! » . والجولة السادسة والسابعة استطراد مع موقف المكذبين ، ومزيد من التأنيب والترذيل : « هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ ، وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ . وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ! هذا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْناكُمْ وَالْأَوَّلِينَ . فَإِنْ كانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ . وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ! » . . والجولة الثامنة مع المتقين ، وما أعد لهم من نعيم : « إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ ، وَفَواكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ . كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ . إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ . وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ! » . . والجولة التاسعة خطفة سريعة مع المكذبين في موقف التأنيب : « كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ . وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ! » . . والجولة العاشرة خطفة سريعة مع المكذبين في موقف التكذيب : « وَإِذا قِيلَ لَهُمُ : ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ . وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ! » . والخاتمة بعد هذه الجولات والاستعراضات والوخزات والإيقاعات : « فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ؟ » . . وهكذا يمضي القلب مع سياق السورة السريع ، وكأنه يلهث مع إيقاعها وصورها ومشاهدها . فأما الحقائق الموضوعية في السورة فقد تكرر ورودها في سور القرآن - والمكية منها بوجه خاص - ولكن الحقائق القرآنية تعرض من جوانب متعددة ، وفي أضواء متعددة ، وبطعوم ومذاقات متعددة ، وفق الحالات النفسية التي تواجهها ، ووفق مداخل القلوب وأحوال النفوس التي يعلمها منزل هذا القرآن على رسوله ، فتبدو في كل حالة