سيد قطب
3783
في ظلال القرآن
وهي كذلك تملأ من عين جارية تسمى سلسبيلا ، لشدة عذوبتها واستساغتها لدى الشاربين ! وزيادة في المتاع فإن الذين يطوفون بهذه الأواني والأكواب بالشراب هم غلمان صباح الوجوه ، لا يفعل فيهم الزمن ، ولا تدركهم السن ؛ فهم مخلدون في سن الصباحة والصبا والوضاءة . وهم هنا وهناك كاللؤلؤ المنثور : « وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ ، إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً » . . ثم يجمل السياق خطوط المنظر ، ويلقي عليه نظرة كاملة تلخص وقعه في القلب والنظر : « وَإِذا رَأَيْتَ - ثَمَّ - رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً » . . نعيما وملكا كبيرا . هو الذي يعيش فيه الأبرار المقربون عباد اللّه هؤلاء ، على وجه الإجمال والعموم ! ثم يخصص مظهرا من مظاهر النعيم والملك الكبير ؛ كأنه تعليل لهذا الوصف وتفسير : « عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ ، وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً » . . والسندس الحرير الرقيق ، والإستبرق الحرير السميك المبطن . . وهم في هذه الزينة وهذا المتاع ، يتلقونه كله من « رَبُّهُمْ » فهو عطاء كريم من معط كريم . وهذه تضاف إلى قيمة ذلك النعيم ! ثم يتلقون عليه الود والتكريم : « إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً » . . يتلقون هذا النطق من الملأ الأعلى . وهو يعدل هذه المناعم كلها ، ويمنحها قيمة أخرى فوق قيمتها . . وهكذا ينتهي ذلك العرض المفصل والهتاف الموحي للقلوب ، الهتاف إلى ذلك النعيم الطيب والفرار من السلاسل والأغلال والسعير . . وهما طريقان . طريق مؤد إلى الجنة هذه وطريق مؤد إلى السعير ! وبعد انتهاء هذا الهتاف إلى الجنة ونعيمها الهنيء الرغيد ، يعالج حالة المشركين المصرين على العناد والتكذيب ، الذين لا يدركون حقيقة الدعوة ، فيساومون عليها الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - لعله يكف عنها ، أو عما يؤذيهم منها . وبين المساومة للنبي - صلى اللّه عليه وسلم - وفتنة المؤمنين به وإيذائهم ، والصد عن سبيل اللّه ، والإعراض عن الخير والجنة والنعيم . . بين هذا كله يجيء المقطع الأخير في السورة يعالج هذا الموقف بطريقة القرآن الكريم : « إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا . فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً . وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا . وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا » . . وفي هذه الآيات الأربع تكمن حقيقة كبيرة من حقائق الدعوة الإيمانية . حقيقة ينبغي أن يعيش فيها الدعاة إلى اللّه طويلا ، وأن يتعمقوها تعمقا كاملا ، وأن ينظروا بتدبر في مدلولاتها الواقعية والنفسية والإيمانية الكبيرة . لقد كان رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - يواجه المشركين بالدعوة إلى اللّه وحده . وهو لم يكن يواجه في نفوسهم مجرد عقيدة . ولو كان الأمر كذلك لكان أيسر كثيرا . فإن عقيدة الشرك المهلهلة التي كانوا عليها لم تكن من القوة والثبات بحيث يصمدون بها هكذا لعقيدة الإسلام القوية الواضحة البسيطة . إنما كانت الملابسات التي تحيط بالعقيدة وبالموقف هي التي تقود إلى تلك المعارضة العنيدة ، التي شهدت بها الروايات التاريخية ، وحكاها القرآن في مواضع منه شتى . . كانت المكانة الاجتماعية ، والاعتزاز بالقيم السائدة في البيئة ، وما يتلبس