سيد قطب
3784
في ظلال القرآن
بها كذلك من مصالح مادية . . هي العنصر الأول الذي يقود إلى التشبث بالعقيدة الواهية الظاهرة البطلان ، في وجه العقيدة القوية الظاهرة الاستقامة . . ثم كانت صور الحياة الجاهلية ومتاعها ولذائذها وشهواتها إلى جانب ذلك تزيد المقاومة والعناد والتأبي على العقيدة الجديدة ، وما فيها من اتجاهات أخلاقية وقيم رفيعة ، لا تسمح بانطلاق الغرائز والشهوات ؛ ولا بالحياة العابثة الماجنة المطلقة من كوابح الأخلاق . وهذه الأسباب - سواء ما يتعلق منها بالمكانة والقيم الاجتماعية والسلطان والمال والمصالح ، وما يتعلق منها بالإلف والعادة وصور الحياة التقليدية ، وما يتعلق منها بالانطلاق من القيم والقيود الأخلاقية - كانت قائمة في وجه الدعوة الأولى ، وهي هي قائمة في وجه الدعوة في كل أرض وفي كل جيل . وهي تمثل العناصر الثابتة في معركة العقيدة ، التي تجعلها معركة عنيدة لا تنتهي من قريب ؛ وتجعل مشاقها وتكاليفها والثبات عليها من أعسر التكاليف . ومن ثم ينبغي للدعاة إلى دين اللّه في أي أرض وفي أي زمان أن يعيشوا طويلا في الحقيقة الكبيرة الكامنة في تلك الآيات ، وملابسات نزولها على الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - فهي ملابسات معركة واحدة يخوضها كل صاحب دعوة إلى اللّه ، في أي أرض وفي أي زمان ! لقد تلقى رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - التكليف من ربه لينذر ، وقيل له : « يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ . قُمْ فَأَنْذِرْ » . . فلما أن نهض بالتكليف واجهته تلك العوامل والأسباب التي تصد القوم عن الدعوة الجديدة ، وتثير في نفوسهم التشبث بما هم عليه - على شعورهم بوهنه وهلهلته - وتقودهم إلى العناد الشديد ، ثم إلى الدفاع العنيد عن معتقداتهم وأوضاعهم ومكانتهم ومصالحهم . ومألوف حياتهم ، ولذائذهم وشهواتهم . . إلى آخر ما تهدده الدعوة الجديدة أشد التهديد . وأخذ هذا الدفاع العنيد صورا شتى ، في أولها إيذاء القلة المؤمنة التي استجابت للدعوة الجديدة ، ومحاولة فتنتها عن عقيدتها بالتعذيب والتهديد . ثم تشويه هذه العقيدة وإثارة الغبار حولها وحول نبيها - صلى اللّه عليه وسلم - بشتى التهم والأساليب . كيلا ينضم إليها مؤمنون جدد . فمنع الناس عن الانضمام إلى راية العقيدة قد يكون أيسر من فتنة الذين عرفوا حقيقتها وذاقوها ! وفي الوقت ذاته راحوا يحاولون مع صاحب الدعوة - صلى اللّه عليه وسلم - طرقا شتى من الإغراء - إلى جانب التهديد والإيذاء - ليلتقي بهم في منتصف الطريق ؛ ويكف عن الحملة الساحقة على معتقداتهم وأوضاعهم وتقاليدهم ؛ ويصالحهم ويصالحونه على شيء يرتضيه ويرتضونه ! كما تعود الناس أن يلتقوا في منتصف الطريق عند الاختلاف على المصالح والمغانم وشؤون هذه الأرض المعهودة « 1 » . وهذه الوسائل ذاتها أو ما يشبهها هي التي يواجهها صاحب الدعوة إلى اللّه في كل أرض وفي كل جيل ! والنبي - صلى اللّه عليه وسلم - ولو أنه رسول ، حفظه اللّه من الفتنة ، وعصمه من الناس . . إلا أنه بشر يواجه الواقع الثقيل في قلة من المؤمنين وضعف . واللّه يعلم منه هذا ، فلا يدعه وحده ، ولا يدعه لمواجهة الواقع الثقيل بلا عون ومدد وتوجيه إلى معالم الطريق . وهذه الآيات تتضمن حقيقة هذا العون والمدد والتوجيه : « إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا » .
--> ( 1 ) يراجع في هذا الجزء تفسير سورة القلم : « وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ » . .