سيد قطب

3725

في ظلال القرآن

يا ليل بن عمرو بن عمير ، ومسعود بن عمرو بن عمير ، وحبيب بن عمرو بن عمير . . . وعند أحدهم امرأة من قريش من بني جمح . فجلس إليهم رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - فدعاهم إلى اللّه ، وكلمهم بما جاءهم له من نصرته على الإسلام ، والقيام معه على من خالفه من قومه . فقال له أحدهم : هو يمرط ثياب الكعبة ( أي يمزقها ) إن كان اللّه أرسلك ! وقال الآخر : أما وجد اللّه أحدا يرسله غيرك ؟ وقال الثالث : واللّه لا أكلمك أبدا لئن كنت رسولا من اللّه كما تقول لأنت أعظم خطرا من أن أرد عليك الكلام . ولئن كنت تكذب على اللّه ما ينبغي لي أن أكلمك . فقام رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - من عندهم وقد يئس من خير ثقيف . وقد قال لهم - فيما ذكر لي - : « إذ فعلتم ما فعلتم فاكتموا عني » . وكره رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - أن يبلغ قومه عنه ، فيذئرهم ( أي يحرشهم ) ذلك عليه ! « فلم يفعلوا ، وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به ، حتى اجتمع عليه الناس ، وألجئوه إلى حائط ( أي بستان ) لعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة - وهما فيه - ورجع عنه من سفهاء ثقيف من كان يتبعه ، فعمد إلى ظل حبلة من عنب ( أي طاقة من قضبان الكرم ) فجلس فيه ، وابنا ربيعة ينظران إليه ويريان ما لقي من سفهاء أهل الطائف . . . فلما اطمأن رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلم - قال - فيما ذكر لي - : « اللهم إليك أشكو ضعف قوتي ، وقلة حيلتي ، وهواني على الناس ، يا أرحم الراحمين ، أنت رب المستضعفين وأنت ربي ، إلى من تكلني ؟ إلى عبد يتجهمني ؟ أم إلى عدو ملكته أمري ؟ إن لم يكن بك عليّ غضب فلا أبالي ، ولكن عافيتك هي أوسع لي . أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات ، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك ، أو يحل علي سخطك ، لك العتبى حتى ترضى ، ولا حول ولا قوة إلا بك » . . « قال : فلما رآه ابنا ربيعة عتبة وشيبة وما لقي تحركت له رحمهما ، فدعوا غلاما لهما نصرانيا يقال له : عداس . فقال له : خذ قطفا من هذا العنب ، فضعه في هذا الطبق ، ثم اذهب به إلى ذلك الرجل ، فقل له يأكل منه . ففعل عداس ، ثم أقبل به حتى وضعه بين يدي رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ثم قال له : كل . فلما وضع رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - فيه يده قال : « بسم اللّه » ثم أكل . فنظر عداس في وجهه ثم قال : واللّه إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد . فقال له رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « ومن أهل أي البلاد أنت يا عداس ؟ وما دينك ؟ قال : نصراني ، وأنا رجل من أهل نينوى . فقال له رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « من قرية الرجل الصالح يونس بن متى ؟ » فقال عداس : وما يدريك ما يونس ابن متى ؟ فقال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « ذاك أخي . كان نبيا وأنا نبي » فأكب عداس على رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - يقبل رأسه ويديه وقدميه . قال : يقول ابنا ربيعة أحدهما لصاحبه أما غلامك فقد أفسده عليك ! فلما جاءهما عداس قالا له : ويلك يا عداس ما لك تقبل رأس هذا الرجل ويديه وقدميه ؟ قال : يا سيدي ما في الأرض شيء خير من هذا . لقد أخبرني بأمر ما يعلمه إلا نبي . قالا له : ويحك يا عداس ! لا يصرفنك عن دينك ، فإن دينك خير من دينه ! « قال : ثم إن رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - انصرف من الطائف راجعا إلى مكة ، حين يئس من خير ثقيف ، حتى إذا كان بنخلة قام من جوف الليل يصلي . فمر به النفر من الجن الذين ذكرهم اللّه تبارك وتعالى ، وهم - فيما ذكر لي - سبعة نفر من جن أهل نصيبين ، فاستمعوا له ، فلما فرغ من صلاته ولوا إلى قومهم منذرين ، قد آمنوا وأجابوا إلى ما سمعوا . فقص اللّه خبرهم عليه - صلى اللّه عليه وسلم - قال اللّه عزّ وجل : « وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ » إلى قوله : « وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ » . وقال تبارك وتعالى :