سيد قطب

3726

في ظلال القرآن

« قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ » إلى آخر القصة من خبرهم في هذه السورة » . وقد علق ابن كثير في تفسيره على رواية ابن إسحاق هذه فقال : « هذا صحيح . ولكن قوله : إن الجن كان استماعهم تلك الليلة فيه نظر . فإن الجن كان استماعهم في ابتداء الإيحاء كما دل عليه حديث ابن عباس - رضي اللّه عنهما - المذكور . وخروجه - صلى اللّه عليه وسلم - إلى الطائف كان بعد موت عمه . وذلك قبل الهجرة بسنة أو سنتين كما قرره ابن إسحاق وغيره . واللّه أعلم » . وإذا صحت رواية ابن إسحاق عن أن الحادث وقع عقب عودة الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - من الطائف ، مكسور الخاطر من التصرف اللئيم العنيد الذي واجهه به كبراء ثقيف ، وبعد ذلك الدعاء الكسير الودود لربه ومولاه ، فإنه ليكون عجيبا حقا من هذا الجانب . أن يصرف اللّه إليه ذلك النفر من الجن ، وأن يبلغه ما فعلوا وما قالوا لقومهم ، وفيه من الدلالات اللطيفة الموحية ما فيه . . وأيا كان زمان هذا الحادث وملابساته فهو أمر ولا شك عظيم . عظيم في دلالاته وفيما انطوى عليه . وفيما أعقبه من مقالة الجن عن هذا القرآن وعن هذا الدين . . فلنمض مع هذا كله كما يعرضه القرآن الكريم . « قُلْ : أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا : إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ ، وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً ، وَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً وَلا وَلَداً ، وَأَنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلَى اللَّهِ شَطَطاً ، وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِباً . وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقاً . وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَداً » . . والنفر ما بين الثلاثة والتسعة كالرهط . وقيل كانوا سبعة . وهذا الافتتاح يدل على أن معرفة النبي - صلى اللّه عليه وسلم - بأمر استماع الجن له ، وما كان منهم بعد أن سمعوا القرآن منه . . كانت بوحي من اللّه سبحانه إليه ، وإخبارا عن أمر وقع ولم يعلم به الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - ولكن اللّه أطلعه عليه . وقد تكون هذه هي المرة الأولى ، ثم كانت هناك مرة أو مرات أخرى قرأ النبي فيها على الجن عن علم وقصد . ويشهد بهذا ما جاء بشأن قراءته - صلى اللّه عليه وسلم - سورة الرحمن « أخرجه الترمذي بإسناده - عن جابر رضي اللّه عنه قال : « خرج رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - على أصحابه فقرأ عليهم سورة الرحمن إلى آخرها ، فسكتوا . فقال : « لقد قرأتها على الجن فكانوا أحسن ردودا منكم . كنت كلما أتيت على قوله تعالى : « فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ؟ » * قالوا : لا بشيء من نعمك ربنا نكذب ، فلك الحمد » . . وهذه الرواية تؤيد رواية ابن مسعود - رضي اللّه عنه التي سبقت الإشارة إليها في المقدمة . ولا بد أن هذه المرة التي تحكيها هذه السورة هي التي تحكيها آيات الأحقاف : « وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ . فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا : أَنْصِتُوا . فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ . قالُوا : يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى ، مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ ، يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ . يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ . وَمَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ ، أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ » . . فإن هذه الآيات - كالسورة - تنبئ عن وهلة المفاجأة بهذا القرآن للجن ؛ مفاجأة أطارت تماسكهم ، وزلزلت قلوبهم ، وهزت مشاعرهم ، وأطلقت في كيانهم دفعة عنيفة من التأثر امتلأ بها كيانهم كله وفاض ، فانطلقوا إلى قومهم بنفوس محتشدة مملوءة فائضة بما لا تملك له دفعا ، ولا تملك عليه صبرا ، قبل أن تفيضه على الآخرين