سيد قطب

3688

في ظلال القرآن

من ذلك ما رواه ابن إسحاق عن الوليد بن المغيرة ، وعن النضر بن الحارث ، وعن عتبة بن ربيعة وقد جاء في روايته عن الأول : « ثم إن الوليد بن المغيرة اجتمع إليه نفر من قريش . وكان ذا سن فيهم ؛ وقد حضر الموسم . فقال لهم : يا معشر قريش ، إنه قد حضر هذا الموسم ، وإن وفود العرب ستقدم عليكم فيه ، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا ؛ فأجمعوا فيه رأيا واحدا ، ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضا ، ويرد قولكم بعضه بعضا ، فقالوا : فأنت يا أبا عبد شمس فقل ، وأقم لنا رأيا نقل به . قال : بل أنتم فقولوا أسمع . قالوا : نقول : كاهن . قال : لا واللّه ، ما هو بكاهن ، لقد رأينا الكهان فما هو بزمزمة الكاهن ولا سجعه . قالوا : فنقول : مجنون . قال : ما هو بمجنون ، لقد رأينا الجنون وعرفناه ، فما هو بخنقه ولا تخالجه ولا وسوسته . قالوا : فنقول : شاعر . قال : ما هو بشاعر ، لقد عرفنا الشعر كله رجزه وهزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه فما هو بالشعر . قالوا : فنقول : ساحر . قال : ما هو بساحر ؛ لقد رأينا السحار وسحرهم ، فما هو بنفثهم ولا عقدهم . . قالوا : فما نقول يا أبا عبد شمس ؟ قال : واللّه إن لقوله لحلاوة ، وإن أصله لعذق ، وإن فرعه لجناة « 1 » وما أنتم بقائلين من هذا شيئا إلا عرف أنه باطل ، وإن أقرب القول فيه لأن تقولوا : هو ساحر جاء بقول هو سحر يفرق بين المرء وأبيه ، وبين المرء وأخيه ، وبين المرء وزوجه ، وبين المرء وعشيرته . فتفرقوا عنه بذلك ، فجعلوا يجلسون بسبل الناس - حين قدموا الموسم - لا يمر بهم أحد إلا حذروه إياه ، وذكروا لهم أمره . . . » وحكى عن الثاني ( النضر بن الحارث ) قال : « فقال يا معشر قريش . إنه واللّه قد نزل بكم أمر ما أتيتم له بحيلة بعد . قد كان محمد فيكم غلاما حدثا ، أرضاكم فيكم ، وأصدقكم حديثا ، وأعظمكم أمانة ، حتى إذا رأيتم في صدغيه الشيب ، وجاءكم بما جاءكم به قلتم : ساحر ! لا واللّه ، ما هو بساحر . لقد رأينا السحرة ونفثهم وعقدهم . وقلتم كاهن ! لا واللّه ما هو بكاهن . قد رأينا الكهنة وتخالجهم ، وسمعنا سجعهم . وقلتم : شاعر ! لا واللّه ما هو بشاعر . قد رأينا الشعر ، وسمعنا أصنافه كلها هزجه ورجزه . وقلتم : مجنون ! لقد رأينا الجنون فما هو بخنقه ولا وسوسته ولا تخليطه . يا معشر قريش ، فانظروا في شأنكم ، فإنه واللّه قد نزل بكم أمر عظيم . . . » . والمطابقة تكاد تكون تامة - بين قوله وقول عتبة . وقد يكون هو حادثا واحدا نسب مرة إلى هذا ومرة إلى ذاك . ولكن لا نستبعد كذلك أن يتطابق قولان لرجلين من كبار قريش في موقفين متشابهين من مواقف حيرتهم تجاه هذا القرآن ! وأما موقف عتبة فقد سبقت حكايته في استعراضنا لسورة القلم في هذا الجزء . . وهو قريب من موقف الوليد والنضر تجاه محمد وتجاه القول الذي جاء به . . فما كان قولهم : ساحر أو كاهن ، إلا حيلة ما كرة أحيانا وشبهة مفضوحة أحيانا . والأمر أوضح من أن يلتبس عند أول تدبر وأول تفكير . وهو من ثم لا يحتاج إلى قسم بما يعلمون وما لا يعلمون : إنه لقول رسول كريم . وما هو بقول شاعر . ولا بقول كاهن . . إنما هو تنزيل من رب العالمين . وتقرير أنه قول رسول كريم لا يعني أنه من إنشائه ، ولكن المراد هنا أنه قول من نوع آخر . لا يقوله شاعر ، ولا يقوله كاهن ، إنما يقوله رسول ، يرسل به من عند اللّه ، فيحمله من هناك ، من ذلك المصدر الذي أرسله .

--> ( 1 ) العذق : الكثير الشعب والأطراف . والجناة : ما فيه ثمر يجنى .