سيد قطب

3689

في ظلال القرآن

والذي يعين هذا المعنى هو كلمة رسول . أي مرسل به من عند ربه ، وليس شاعرا ولا كاهنا يقوله من عند نفسه . أو بمساعدة رئي أو شيطان . . إنما هو رسول يقول ما يحمله عمن أرسله . ويقرر هذا تقريرا حاسما ما جاء بعده : « تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ » . . والتعقيب : « قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ » . . « قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ » . . مدلوله نفي الإيمان ، ونفي التذكر . وفق تعبيرات اللغة المألوفة . وفي الحديث في وصف رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - « إنه كان يقل اللغو » . أي لا يلغو أصلا . . فقد نفى عنهم أصل الإيمان وأصل التذكر . وإلا فما يقول مؤمن عن الرسول : إنه شاعر ، ولا يقول متذكر متدبر : إنه كاهن . إنما هما الكفر والغفلة ينضحان بهذا القول النكير ! وفي النهاية يجيء ذلك التهديد الرعيب ، لمن يفتري على اللّه في شأن العقيدة وهي الجد الذي لا هوادة فيه . يجيء لتقرير الاحتمال الواحد الذي لا احتمال غيره ، وهو صدق الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - وأمانته فيما أبلغه إليهم أو يبلغه . بشهادة أن اللّه لم يأخذه أخذا شديدا . كما هو الشأن لو انحرف أقل انحراف عن أمانة التبليغ : « وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ . لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ . ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ . فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ » . . ومفاد هذا القول من الناحية التقريرية أن محمدا - صلى اللّه عليه وسلم - صادق فيما أبلغهم . وأنه لو تقول بعض الأقاويل التي لم يوح بها إليه ، لأخذه اللّه فقتله على هذا النحو الذي وصفته الآيات . ولما كان هذا لم يقع فهو لا بد صادق . هذه هي القضية من الناحية التقريرية . . ولكن المشهد المتحرك الذي ورد فيه هذا التقرير شيء آخر ، يلقي ظلالا بعيدة وراء المعنى التقريري . ظلالا فيها رهبة وفيها هول . كما أن فيها حركة وفيها حياة . ووراءها إيحاءات وإيماءات وإيقاعات ! فيها حركة الأخذ باليمين وقطع الوتين . وهي حركة عنيفة هائلة مروعة حية في الوقت ذاته . ووراءها الإيحاء بقدرة اللّه العظيمة وعجز المخلوق البشري أمامها وضعفه . . البشر أجمعين . . كما أن وراءها الإيماء إلى جدية هذا الأمر التي لا تحتمل تسامحا ولا مجاملة لأحد كائنا من كان . ولو كان هو محمد الكريم عند اللّه الأثير الحبيب . ووراءها بعد هذا كله إيقاع الرهبة والهول والخشوع ! وأخيرا تجيء الخاتمة التقريرية بحقيقة هذا الأمر وطبيعته القوية : « وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ . وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ . وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكافِرِينَ . وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ » . فهذا القرآن يذكر القلوب التقية فتذكر . إن الحقيقة التي جاء بها كامنة فيها . فهو يثيرها فيها ويذكرها بها فتتذكرها . فأما الذين لا يتقون فقلوبهم مطموسة غافلة لا تتفتح ولا تتذكر ، ولا تفيد من هذا الكتاب شيئا . وإن المتقين ليجدون فيه من الحياة والنور والمعرفة والتذكير ما لا يجده الغافلون . « وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ » . . ولكن هذا لا يؤثر في حقيقة هذا الأمر ، ولا يغير من هذه الحقيقة . فأمركم أهون من أن يؤثر في حقائق الأمور . « وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكافِرِينَ » . . بما يرفع من شأن المؤمنين ، ويحط من قدر المكذبين وبما ينتهي إليه من إقرار الحق وإزهاق الباطل الذي يستمسك به الكافرون . ثم إنه حجة عليهم عند اللّه في اليوم الآخر ، يعذبون