سيد قطب

3610

في ظلال القرآن

وسلم - أو يخبأ ؟ إن حياته هي المشهد المنظور القريب الممكن التطبيق من هذه العقيدة ؛ وقد جاء - صلى اللّه عليه وسلم - ليعرضها للناس في شخصه ، وفي حياته ، كما يعرضها بلسانه وتوجيهه . ولهذا خلق . ولهذا جاء . ولقد حفظ عنه أصحابه - صلى اللّه عليه وسلم - ونقلوا للناس بعدهم - جزاهم اللّه خيرا - أدق تفصيلات هذه الحياة . فلم تبق صغيرة ولا كبيرة حتى في حياته اليومية العادية ، لم تسجل ولم تنقل . . وكان هذا طرفا من قدر اللّه في تسجيل حياة هذا الرسول ، أو تسجيل دقائق هذه العقيدة مطبقة في حياة الرسول . فكان هذا إلى جانب ما سجله القرآن الكريم من هذه الحياة السجل الباقي للبشرية إلى نهاية الحياة . وهذه السورة تعرض في صدرها صفحة من الحياة البيتية لرسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وصورة من الانفعالات والاستجابات الإنسانية بين بعض نسائه وبعض ، وبينهن وبينه ! وانعكاس هذه الانفعالات والاستجابات في حياته - صلى اللّه عليه وسلم - وفي حياة الجماعة المسلمة كذلك . . ثم في التوجيهات العامة للأمة على ضوء ما وقع في بيوت رسول اللّه وبين أزواجه . والوقت الذي وقعت فيه الأحداث التي تشير إليها السورة ليس محددا . ولكن بالرجوع إلى الروايات التي جاءت عنه يتأكد أنه بعد زواج رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - من زينب بنت جحش قطعا . ولعله يحسن أن نذكر هنا ملخصا عن قصة أزواج النبي ، وعن حياته البيتية يعين على تصور الحوادث والنصوص التي جاءت بصددها في هذه السورة . ونعتمد في هذا الملخص على ما أثبته الإمام ابن حزم في كتابه : « جوامع السيرة » . . وعلى السيرة لابن هشام مع بعض التعليقات السريعة : أول أزواجه - صلى اللّه عليه وسلم - خديجة بنت خويلد . تزوجها رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وهو ابن خمس وعشرين سنة وقيل ثلاث وعشرون ، وسنها - رضي اللّه عنها - أربعون أو فوق الأربعين ، وماتت - رضي اللّه عنها - قبل الهجرة بثلاث سنوات ، ولم يتزوج غيرها حتى ماتت . وقد تجاوزت سنه الخمسين . فلما ماتت خديجة تزوج عليه السلام سودة بنت زمعة - رضي اللّه عنها - ولم يرو أنها ذات جمال ولا شباب . إنما كانت أرملة للسكران بن عمرو بن عبد شمس . كان زوجها من السابقين إلى الإسلام من مهاجري الحبشة . فلما توفي عنها ، تزوجها رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم . ثم تزوج عائشة - رضي اللّه عنها - بنت الصديق أبي بكر - رضي اللّه عنه وأرضاه - وكانت صغيرة فلم يدخل بها إلا بعد الهجرة . ولم يتزوج بكرا غيرها . وكانت أحب نسائه إليه ، وقيل كانت سنها تسع سنوات وبقيت معه تسع سنوات وخمسة أشهر . وتوفي عنها رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - . ثم تزوج حفصة بنت عمر - رضي اللّه عنه وعنها - بعد الهجرة بسنتين وأشهر . تزوجها ثيبا . بعد ما عرضها أبوها على أبي بكر وعلى عثمان فلم يستجيبا . فوعده النبي خيرا منهما وتزوجها ! ثم تزوج زينب بنت خزيمة . وكان زوجها الأول عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب قد قتل يوم بدر . وتوفيت زينب هذه في حياته - صلى اللّه عليه وسلم - . وقيل كان زوجها قبل النبي هو عبد اللّه بن جحش الأسدي المستشهد يوم أحد . ولعل هذا هو الأقرب . وتزوج أم سلمة . وكانت قبله زوجا لأبي سلمة ، الذي جرح في أحد ، وظل جرحه يعاوده حتى مات به . فتزوج رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - أرملته . وضم إليه عيالها من أبي سلمة .