سيد قطب
3611
في ظلال القرآن
وتزوج زينب بنت جحش . بعد أن زوجها لمولاه ومتبناه زيد بن حارثة فلم تستقم حياتهما فطلقها . وقد عرضنا قصتها في سورة الأحزاب في الجزء الثاني والعشرين ، وكانت جميلة وضيئة . وهي التي كانت عائشة - رضي اللّه عنها - تحس أنها تساميها ، لنسبها من رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وهي بنت عمته ، ولوضاءتها ! ثم تزوج جويرية بنت الحارث سيد بني المصطلق بعد غزوة بني المصطلق في أواسط السنة السادسة الهجرية . قال ابن إسحاق : وحدثني محمد بن جعفر بن الزبير ، عن عروة بن الزبير عن عائشة رضي اللّه عنها . قالت : « لما قسم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سبايا بني المصطلق وقعت جويرية بنت الحارث في أسهم الثابت ابن قيس بن الشماس أو لابن عم له فكاتبته على نفسها ، وكانت امرأة حلوة مليحة ملاحة لا يراها أحد إلا أخذت بنفسه ، فأتت رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - تستعينه في كتابتها . قالت عائشة : فو اللّه ما هو إلا أن رأيتها على باب حجرتي فكرهتها ! وعرفت أنه سيرى منها - صلى اللّه عليه وسلم - ما رأيت ، فدخلت عليه فقالت : يا رسول اللّه . أنا جويرية بنت الحارث بن أبي صرار سيد قومه . وقد أصابني من البلاء ما لم يخف عليك فوقعت في السهم لثابت بن قيس بن الشماس - أو لابن عم له - فكاتبته على نفسي ، فجئت أستعينك على كتابتي . قال : « فهل لك في خير من ذلك ؟ قالت : وما هو يا رسول اللّه ؟ قال : « أقضي عنك كتابتك وأتزوجك ؟ » قالت : نعم يا رسول اللّه . قال : « قد فعلت » . . ثم تزوج أم حبيبة بنت أبي سفيان بعد الحديبية . وكانت مهاجرة مسلمة في بلاد الحبشة ، فارتد زوجها عبد اللّه بن جحش إلى النصرانية وتركها . فخطبها النبي - صلى اللّه عليه وسلم - وأمهرها عنه نجاشي الحبشة . وجاءت من هناك إلى المدينة . وتزوج إثر فتح خيبر بعد الحديبية صفية بنت حيي بن أخطب زعيم بني النضير . وكانت زوجة لكنانة ابن أبي الحقيق وهو من زعماء اليهود أيضا . ويذكر ابن إسحاق في قصة زواجه - صلى اللّه عليه وسلم - منها : أنه أتي بها وبأخرى معها من السبي ، فمر بهما بلال - رضي اللّه عنه - على قتلى من قتلى اليهود فلما رأتهم التي مع صفية صاحت وصكت وجهها وحثت التراب على رأسها . فقال - صلى اللّه عليه وسلم - : « اعزبوا عني هذه الشيطانة » وأمر بصفية فحيزت خلفه ، وألقى عليها رداءه فعرف المسلمون أن رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - قد اصطفاها لنفسه . فقال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - لبلال - فيما بلغني - حين رأى بتلك اليهودية ما رأى : « أنزعت منك الرحمة يا بلال ؟ حين تمر بامرأتين على قتلى رجالهما ؟ » . ثم تزوج ميمونة بنت الحارث بن حزن . وهي خالة خالد بن الوليد وعبد اللّه بن عباس . وكانت قبل رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - عند أبي رهم بن عبد العزى . وقيل حويطب بن عبد العزى . وهي آخر من تزوج صلى اللّه عليه وسلم . وهكذا ترى أن لكل زوجة من أزواجه - صلى اللّه عليه وسلم - قصة وسببا في زواجه منها . وهن فيمن عدا زينب بنت جحش ، وجويرية بنت الحارث ، لم يكن شواب ولا ممن يرغب فيهن الرجال لجمال . وكانت عائشة - رضي اللّه عنها - هي أحب نسائه إليه . وحتى هاتان اللتان عرف عنهما الجمال والشباب كان هناك عامل نفسي وإنساني آخر - إلى جانب جاذبيتهن - ولست أحاول أن أنفي عنصر الجاذبية الذي لحظته عائشة في جويرية مثلا ، ولا عنصر الجمال الذي عرفت به زينب . فلا حاجة أبدا إلى نفي مثل هذه العناصر الإنسانية من حياة النبي - صلى اللّه عليه وسلم - وليست هذه العناصر موضع اتهام يدفعه الأنصار عن نبيهم . إذا حلا لأعدائه أن يتهموه ! فقد اختير ليكون إنسانا . ولكن إنسانا رفيعا . وهكذا كان . وهكذا كانت دوافعه في