سيد قطب

3609

في ظلال القرآن

عندما جرى قدر اللّه أن يجعل الإسلام هو الرسالة الأخيرة ؛ وأن يجعل منهجه هو المنهاج الباقي إلى آخر الخليقة ؛ وأن تجري حياة المؤمنين به وفق الناموس الكوني العام ؛ وأن يكون هذا الدين هو الذي يقود حياة البشرية ويهيمن على نشاطها في كل ميدان . . عندما جرى قدر اللّه بهذا كله جعل اللّه هذا المنهج في هذه الصورة ، شاملا كاملا متكاملا ، يلبي كل طاقات البشر واستعداداتهم ، في الوقت الذي يرفع هذه الطاقات وهذه الاستعدادات إلى الأفق اللائق بخليفة اللّه في الأرض ، وبالكائن الذي كرمه اللّه على كثير من عباده ، ونفخ فيه من روحه . وجعل طبيعة هذا الدين الانطلاق بالحياة إلى الأمام : نموا وتكاثرا ، ورفعة وتطهرا ، في آن واحد . فلم يعطل طاقة بانية ، ولم يكبت استعدادا نافعا . بل نشط الطاقات وأيقظ الاستعدادات وفي الوقت ذاته حافظ على توازن حركة الاندفاع إلى الأمام مع حركة الارتفاع إلى الأفق الكريم ، الذي يهيئ الأرواح في الدنيا لمستوى نعيم الآخرة ، ويعد المخلوق الفاني في الأرض للحياة الباقية في دار الخلود . وعندما جرى قدر اللّه أن يجعل طبيعة هذه العقيدة هكذا جرى كذلك باختيار رسولها - صلى اللّه عليه وسلم - إنسانا تتمثل فيه هذه العقيدة بكل خصائصها ، وتتجسم فيه بكل حقيقتها ، ويكون هو بذاته وبحياته الترجمة الصحيحة الكاملة لطبيعتها واتجاهها . إنسانا قد اكتملت طاقاته الإنسانية كلها . ضليع التكوين الجسدي ، قوي البنية ، سليم البناء ؛ صحيح الحواس ، يقظ الحس ، يتذوق المحسوسات تذوقا كاملا سليما . وهو في ذات الوقت ضخم العاطفة ، حي الطبع ، سليم الحساسية ، يتذوق الجمال ، متفتح للتلقي والاستجابة . وهو في الوقت ذاته كبير العقل ، واسع الفكر ، فسيح الأفق ، قوي الإرادة ، يملك نفسه ولا تملكه . . ثم هو بعد ذلك كله . . النبي . . الذي تشرق روحه بالنور الكلي ، والذي تطيق روحه الإسراء والمعراج ، والذي ينادى من السماء ، والذي يرى نور ربه ، والذي تتصل حقيقته بحقيقة كل شيء في الوجود من وراء الأشكال والظواهر ، فيسلم عليه الحصى والحجر ، ويحن له الجذع ، ويرتجف به أحد - الجبل . . ! . . ثم تتوازن في شخصيته هذه الطاقات كلها . فإذا هو التوازن المقابل لتوازن العقيدة التي اختير لها . . ثم يجعل اللّه حياته الخاصة والعامة كتابا مفتوحا لأمته وللبشرية كلها ، تقرأ فيه صور هذه العقيدة ، وترى فيه تطبيقاتها الواقعية . ومن ثم لا يجعل فيها سرا مخبوءا ، ولا سترا مطويا . بل يعرض جوانب كثيرة منها في القرآن ، ويكشف منها ما يطوى عادة عن الناس في حياة الإنسان العادي . حتى مواضع الضعف البشري الذي لا حيلة فيه لبشر . بل إن الإنسان ليكاد يلمح القصد في كشف هذه المواضع في حياة الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - للناس ! إنه ليس له في نفسه شيء خاص . فهو لهذه الدعوة كله . فعلام يختبئ جانب من حياته - صلى اللّه عليه