سيد قطب

3564

في ظلال القرآن

هذا المطلع يقرر حقيقة التسبيح المستمرة من كل ما في الوجود للّه ؛ ويصفه - سبحانه - بصفات ذات علاقة لطيفة بموضوع السورة . السورة التي اسمها « الجمعة » وفيها تعليم عن صلاة الجمعة ، وعن التفرغ لذكر اللّه في وقتها ، وترك اللهو والتجارة ، وابتغاء ما عند اللّه وهو خير من اللهو ومن التجارة . ومن ثم تذكر : « الْمَلِكِ » . . الذي يملك كل شيء بمناسبة التجارة التي يسارعون إليها ابتغاء الكسب . وتذكر « الْقُدُّوسِ » الذي يتقدس ويتنزه ويتوجه إليه بالتقديس والتنزيه كل ما في السماوات والأرض ، بمناسبة اللهو الذي ينصرفون إليه عن ذكره . وتذكر « الْعَزِيزِ » . . بمناسبة المباهلة التي يدعى إليها اليهود والموت الذي لا بد أن يلاقي الناس جميعا والرجعة إليه والحساب . وتذكر « الْحَكِيمِ » . . بمناسبة اختياره الأميين ليبعث فيهم رسولا يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة . . وكلها مناسبات لطيفة المدخل والاتصال . ثم يبدأ في موضوع السورة الرئيسي : « هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ ، وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ ، وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ . وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ ، وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ » . . قيل إن العرب سموا الأميين لأنهم كانوا لا يقرءون ولا يكتبون - في الأعم الأغلب - وروي عن النبي - صلى اللّه عليه وسلم - أنه قال : الشهر هكذا وهكذا وهكذا وأشار بأصابعه وقال : « إنا نحن أمة أمية لا نحسب ولا نكتب « 1 » » . . وقيل : إنما سمي من لا يكتب أميا لأنه نسب إلى حال ولادته من الأم ، لأن الكتابة إنما تكون بالاستفادة والتعلم . وربما سموا كذلك كما كان اليهود يقولون عن غيرهم من الأمم : إنهم « جوييم » باللغة العبرية أي أمميون . نسبة إلى الأمم - بوصفهم هم شعب اللّه المختار وغيرهم هم الأمم ! - والنسبة في العربية إلى المفرد . . أمة . . أميون . وربما كان هذا أقرب بالنسبة إلى موضوع السورة . ولقد كان اليهود ينتظرون مبعث الرسول الأخير منهم ، فيجمعهم بعد فرقة ، وينصرهم بعد هزيمة ، ويعزهم بعد ذل . وكانوا يستفتحون بهذا على العرب ، أي يطلبون الفتح بذلك النبي الأخير . ولكن حكمة اللّه اقتضت أن يكون هذا النبي من العرب ، من الأميين غير اليهود ؛ فقد علم اللّه أن يهود قد فرغ عنصرها من مؤهلات القيادة الجديدة الكاملة للبشرية - كما سيجيء في المقطع التالي في السورة - وأنها زاغت وضلت كما جاء في سورة الصف . وأنها لا تصلح لحمل الأمانة بعد ما كان منها في تاريخها الطويل ! وكانت هناك دعوة إبراهيم خليل الرحمن - عليه الصلاة والسلام - تلك الدعوة التي أطلقها في ظل البيت هو وإسماعيل عليه السلام : « وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ . . رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ، رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنا مَناسِكَنا وَتُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ . رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ ، وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ . إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ » . . كانت هناك هذه الدعوة من وراء الغيب ، ومن وراء القرون ، محفوظة عند اللّه لا تضيع ، حتى يجيء موعدها المقدور في علم اللّه ، وفق حكمته ؛ وحتى تتحقق في وقتها المناسب في قدر اللّه وتنسيقه ، وحتى تؤدي دورها في الكون حسب التدبير الإلهي الذي لا يستقدم معه شيء ، ولا يستأخر عن موعده المرسوم .

--> ( 1 ) ذكره الإمام الجصاص صاحب أحكام القرآن بغير إسناد .