سيد قطب
3565
في ظلال القرآن
وتحققت هذه الدعوة - وفق قدر اللّه وتدبيره - بنصها الذي تعيده السورة هنا لتذكر بحكاية ألفاظ إبراهيم . . « رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ » . . كما قال إبراهيم ! حتى صفة اللّه في دعاء إبراهيم : « إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ » * هي ذاتها التي تعقب على التذكير بمنة اللّه وفضله هنا : « وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ » . وقد سئل رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - عن نفسه فقال : « دعوة أبي إبراهيم . وبشرى عيسى . ورأت أمي حين حملت بي كأنه خرج منها نور أضاءت له قصور بصرى من أرض الشام » « 1 » . « هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ » . . والمنة ظاهرة في اختيار اللّه للأميين ليجعلهم أهل الكتاب المبين ؛ وليرسل فيهم رسولا منهم ، يرتفعون باختياره منهم إلى مقام كريم ؛ ويخرجهم من أميتهم أو من أمميتهم بتلاوة آيات اللّه عليهم ، وتغيير ما بهم ، وتمييزهم على العالمين . . « وَيُزَكِّيهِمْ » . . وإنها لتزكية وإنه لتطهير ذلك الذي كان يأخذهم به الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - تطهير للضمير والشعور ، وتطهير للعمل والسلوك ، وتطهير للحياة الزوجية ، وتطهير للحياة الاجتماعية . تطهير ترتفع به النفوس من عقائد الشرك إلى عقيدة التوحيد ؛ ومن التصورات الباطلة إلى الاعتقاد الصحيح ، ومن الأساطير الغامضة إلى اليقين الواضح . وترتفع به من رجس الفوضى الأخلاقية إلى نظافة الخلق الإيماني . ومن دنس الربا والسحت إلى طهارة الكسب الحلال . . إنها تزكية شاملة للفرد والجماعة ولحياة السريرة وحياة الواقع . تزكية ترتفع بالإنسان وتصوراته عن الحياة كلها وعن نفسه ونشأته إلى آفاق النور التي يتصل فيها بربه ، ويتعامل مع الملأ الأعلى ؛ ويحسب في شعوره وعمله حساب ذلك الملأ العلوي الكريم « 2 » . « وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ » . . يعلمهم الكتاب فيصبحون أهل كتاب . ويعلمهم الحكمة فيدركون حقائق الأمور ، ويحسنون التقدير ، وتلهم أرواحهم صواب الحكم وصواب العمل وهو خير كثير . « وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ » . . ضلال الجاهلية التي وصفها جعفر بن أبي طالب لنجاشي الحبشة حين بعثت قريش إليه عمرو بن العاص وعبد اللّه بن أبي ربيعة ليكرّهاه في المهاجرين من المسلمين ، ويشوها موقفهم عنده ، فيخرجهم من ضيافته وجيرته . . فقال جعفر : « أيها الملك . كنا قوما أهل جاهلية . نعبد الأصنام ، ونأكل الميتة ، ونأتي الفواحش ، ونقطع الأرحام ، ونسيء الجوار ، ويأكل القوي منا الضعيف . . فكنا على ذلك حتى بعث اللّه إلينا رسولا منا ، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه . فدعانا إلى اللّه لنوحده ولنعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان ؛ وأمرنا بصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وصلة الرحم ، وحسن الجوار ، والكف عن المحارم والدماء . ونهانا عن الفواحش وقول الزور ، وأكل مال اليتيم ، وقذف المحصنات . وأمرنا أن نعبد اللّه ولا نشرك به شيئا ، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام » . .
--> ( 1 ) من رواية ابن إسحاق . . حدثني ثور بن زيد عن خالد بن معدان عن أصحاب رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - قال ابن كثير : وهذا إسناد جيد ، وروى له شواهد من وجوه أخر . . ( 2 ) يراجع بتوسع كتاب : « الإنسان بين المادية والإسلام » لمحمد قطب « دار الشروق » .