سيد قطب

3555

في ظلال القرآن

وكلمة اللّه هي التعبير عن إرادته . وإرادته الظاهرة لنا - نحن البشر - هي التي تتفق مع الناموس الذي يسير عليه الكون كله . الكون الذي يسبح بحمد ربه . ومنهج اللّه في صورته الأخيرة التي جاء بها الإسلام هو الذي يتناسق مع ذلك الناموس ؛ ويجعل الكون كله - والناس من ضمنه - يحكمون بشريعة اللّه . لا بشريعة يضعها سواه . ولم يكن بد أن يقاومه أفراد ، وأن تقاومه طبقات ، وأن تقاومه دول . ولم يكن بد كذلك أن يمضي الإسلام في وجه هذه المقاومة ؛ ولم يكن بد أن يكتب الجهاد على المسلمين لنصرة هذا المنهج ، وتحقيق كلمة اللّه في الأرض . ولهذا أحب اللّه - سبحانه - الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص . « 1 » . ونقف ثالثا أمام الحالة التي يحب اللّه للمجاهدين أن يقاتلوا وهم عليها : « صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ » . . فهو تكليف فردي في ذاته ، ولكنه فردي في صورة جماعية . في جماعة ذات نظام . ذلك أن الذين يواجهون الإسلام يواجهونه بقوى جماعية ، ويؤلبون عليه تجمعات ضخمة ؛ فلا بد لجنود الإسلام أن يواجهوا أعداءه صفا . صفا سويا منتظما ، وصفا متينا راسخا ذلك إلى أن طبيعة هذا الدين حين يغلب ويهيمن أن يهيمن على جماعة ، وأن ينشئ مجتمعا متماسكا . . متناسقا . فصورة الفرد المنعزل الذي يعبد وحده ، ويجاهد وحده ، ويعيش وحده ، صورة بعيدة عن طبيعة هذا الدين ، وعن مقتضياته في حالة الجهاد ، وفي حالة الهيمنة بعد ذلك على الحياة . وهذه الصورة التي يحبها اللّه للمؤمنين ترسم لهم طبيعة دينهم ، وتوضح لهم معالم الطريق ، وتكشف لهم عن طبيعة التضامن الوثيق الذي يرسمه التعبير القرآني المبدع : « صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ » . . بنيان تتعاون لبناته وتتضام وتتماسك ، وتؤدي كل لبنة دورها ، وتسد ثغرتها ، لأن البنيان كله ينهار إذا تخلت منه لبنة عن مكانها . تقدمت أو تأخرت سواء . وإذا تخلت منه لبنة عن أن تمسك بأختها تحتها أو فوقها أو على جانبيها سواء . . إنه التعبير المصور للحقيقة لا لمجرد التشبيه العام . التعبير المصور لطبيعة الجماعة ، ولطبيعة ارتباطات الأفراد في الجماعة . ارتباط الشعور ، وارتباط الحركة ، داخل النظام المرسوم ، المتجه إلى هدف مرسوم . بعدئذ يذكر قصة هذا المنهج الإلهي ومراحلها في الرسالات قبل الإسلام . « وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ : يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ ؟ فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ، وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ . « وَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ : يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ » . . وإيذاء بني إسرائيل لموسى - وهو منقذهم من فرعون وملئه ، ورسولهم وقائدهم ومعلمهم - إيذاء متطاول متعدد الألوان ، وجهاده في تقويم اعوجاجهم جهاد مضن عسير شاق . ويذكر القرآن في قصص بني إسرائيل صورا شتى من ذلك الإيذاء ومن هذا العناء . كانوا يتسخطون على موسى وهو يحاول مع فرعون إنقاذهم ، ويتعرض لبطشه وجبروته وهم آمنون بذلتهم له ! فكانوا يقولون له لائمين متبرمين : « أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا » ! كأنهم لا يرون في رسالته

--> ( 1 ) يراجع فصل سلام العالم في كتاب : السلام العالمي والإسلام . « دار الشروق » .