سيد قطب

3556

في ظلال القرآن

خيرا ، أو كأنما يحملونه تبعة هذا الأذى الأخير ! وما كاد ينقذهم من ذل فرعون باسم اللّه الواحد الذي أنقذهم من فرعون وأغرقه وهم ينظرون . . حتى مالوا إلى عبادة فرعون وقومه . . « فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ قالُوا : يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ » . . وما كاد يذهب لميقات ربه على الجبل ليتلقى الألواح ، حتى أضلهم السامري : « فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ فَقالُوا : هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى فَنَسِيَ ! » . . ثم جعلوا يتسخطون على طعامهم في الصحراء : المن والسلوى . فقالوا : « يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَقِثَّائِها وَفُومِها وَعَدَسِها وَبَصَلِها » ! وفي حادث البقرة التي كلفوا ذبحها ظلوا يماحكون ويتعللون ويسيئون الأدب مع نبيهم وربهم وهم يقولون : « ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ » . . « ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها » . . « ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا » . . « فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ » ! ثم طلبوا يوم عطلة مقدسا فلما كتب عليهم السبت اعتدوا فيه . وأمام الأرض المقدسة التي بشرهم اللّه بدخولها وقفوا متخاذلين يصعرون خدهم في الوقت ذاته لموسى : « قالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ ، وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ » . . فلما كرر عليهم التحضيض والتشجيع تبجحوا وكفروا : « قالُوا يا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ » . . ذلك إلى إعنات موسى بالأسئلة والاقتراحات والعصيان والتمرد ، والاتهام الشخصي بالباطل كما جاء في بعض الأحاديث . وتذكر الآية هنا قول موسى لهم في عتاب ومودة : « يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ ؟ » . . وهم كانوا يعلمون عن يقين . . إنما هي لهجة العتاب والتذكير . . وكانت النهاية أنهم زاغوا بعد ما بذلت لهم كل أسباب الاستقامة ، فزادهم اللّه زيغا ، وأزاغ قلوبهم فلم تعد صالحة للهدى . وضلوا فكتب اللّه عليهم الضلال أبدا : « وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ » . . وبهذا انتهت قوامتهم على دين اللّه ، فلم يعودوا يصلحون لهذا الأمر ، وهم على هذا الزيغ والضلال . ثم جاء عيسى بن مريم . جاء يقول لبني إسرائيل : « يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ » . . فلم يقل لهم : إنه اللّه ، ولا إنه ابن اللّه ، ولا إنه أقنوم من أقانيم اللّه . « مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ » . . في هذه الصيغة التي تصور حلقات الرسالة المترابطة ، يسلم بعضها إلى بعض ، وهي متماسكة في حقيقتها ، واحدة في اتجاهها ، ممتدة من السماء إلى الأرض ، حلقة بعد حلقة في السلسلة الطويلة المتصلة . . وهي الصورة اللائقة بعمل اللّه ومنهجه . فهو منهج واحد في أصله ، متعدد في صوره ، وفق استعداد البشرية وحاجاتها وطاقاتها ، ووفق تجاربها ورصيدها من المعرفة حتى تبلغ مرحلة الرشد العقلي والشعوري ، فتجيء الحلقة الأخيرة في الصورة الأخيرة كاملة شاملة ، تخاطب العقل الراشد ، في ضوء تلك التجارب ، وتطلق هذا العقل يعمل في حدوده ،