سيد قطب

3554

في ظلال القرآن

وهو الأمر الذي تقرره هذه السورة . وهذه حلقة من حلقات التربية في الجماعة المسلمة التي يعدها اللّه لتقوم على هذا الأمر . فإذا جئنا للموضوع المباشر الذي كانت هذه الآيات تواجهه عند نزولها . . وهو موضوع الجهاد . . فإننا نقف أمام موضوعات شتى للحديث والملاحظة والعبرة . نقف أولا أمام النفس البشرية التي تلم بها لحظات الضعف الطارئة ، فلا يعصمها منها إلا عون اللّه ، وإلا التذكير الدائم ، والتوجيه الدائم ، والتربية الدائمة . . فهؤلاء جماعة من المسلمين قيل في بعض الروايات : إنهم من المهاجرين الذين كانوا يتمنون أن يأذن اللّه لهم في القتال وهم في مكة من شدة الحماس والاندفاع . وكانوا يؤمرون بكف أيديهم وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة « فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ » في المدينة في الوقت المناسب الذي قدره اللّه « إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً ، وَقالُوا : رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ ؟ لَوْ لا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ ! » . . أو هم جماعة من المسلمين في المدينة كانوا يسألون عن أحب الأعمال إلى اللّه ليفعلوه فلما أمروا بالجهاد كرهوه ! وهذه الوقفة كفيلة بأن تفتح أعيننا على ضرورة الموالاة للنفس البشرية بالتقوية والتثبيت والتوجيه ؛ وهي تواجه التكاليف الشاقة ، لتستقيم في طريقها ، وتتغلب على لحظات ضعفها ، وتتطلع دائما إلى الأفق البعيد . كما تلهمنا أن نتواضع في طلب التكاليف وتمنيها ونحن في حالة العافية ! فلعلنا لا نقوى على ما نقترح على اللّه حين يكلفنا إياه ! وهؤلاء جماعة من المسلمين الأوائل يضعفون ويقولون ما لا يفعلون ؛ حتى يعاتبهم اللّه هذا العتاب الشديد ، وينكر عليهم هذا الإنكار المخيف ! ونقف ثانية أمام حب اللّه للذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص . . نقف أمام هذا الإغراء القوي العميق على القتال في سبيل اللّه . . وأول ما يسجل هنا أنه كان لمواجهة حالة تقاعس وتخلف وكراهية للقتال . ولكن هذا السبب الغريب في الحادث المحدود لا ينفي أن الحض عام ، وأن وراءه حكمة دائمة . إن الإسلام لا يتشهى القتال ، ولا يريده حبا فيه . ولكنه يفرضه لأن الواقع يحتمه ، ولأن الهدف الذي وراءه كبير . فالإسلام يواجه البشرية بالمنهج الإلهي في صورته الأخيرة المستقرة . وهذا المنهج - ولو أنه يلبي الفطرة المستقيمة - إلا أنه يكلف النفوس جهدا لتسمو إلى مستواه ، ولتستقر على هذا المستوي الرفيع . وهناك قوى كثيرة في هذه الأرض لا تحب لهذا المنهج أن يستقر ، لأنه يسلبها كثيرا من الامتيازات ، التي تستند إلى قيم باطله زائفة ، يحاربها هذا المنهج ويقضي عليها حين يستقر في حياة البشر . وهذه القوى تستغل ضعف النفوس عن البقاء في المستوي الإيماني وتكاليفه ، كما تستغل جهل العقول ، وموروثات الأجيال ، لتعارض هذا المنهج وتقف في طريقه . والشر عارم . والباطل متبجح . والشيطان لئيم ! ومن ثم يتعين على حملة الإيمان وحراس المنهج أن يكونوا أقوياء ليغلبوا عملاء الشر وأعوان الشيطان . أقوياء في أخلاقهم ، وأقوياء في قتال خصومهم على السواء . ويتعين عليهم أن يقاتلوا عندما يصبح القتال هو الأداة الوحيدة لضمان حرية الدعوة للمنهج الجديد ، وحرية الاعتقاد به ، وحرية العمل وفق نظامه المرسوم . وهم يقاتلون في سبيل اللّه . . لا في سبيل ذواتهم أو عصبيتهم من أي لون . . عصبية الجنس وعصبية الأرض وعصبية العشيرة وعصبية البيت . . في سبيل اللّه وحده ، لتكون كلمة اللّه هي العليا . والرسول - صلى اللّه عليه وسلم - يقول : « من قاتل لتكون كلمة اللّه هي العليا فهو في سبيل اللّه » « 1 »

--> ( 1 ) أخرجه الخمسة .