سيد قطب

3466

في ظلال القرآن

فأما الشوط الثاني في السورة فيستهدف بناء العقيدة بكليتها ، وإن كان التوكيد البارز فيه على قضية البعث والنشأة الأخرى . وفيه تتجلى طريقة القرآن في مخاطبة الفطرة البشرية ، وفي تناول الدلائل الإيمانية ، وفي التلطف إلى النفوس في بساطة ويسر ، وهو يتناول أكبر الحقائق في صورها القريبة الميسورة . . إن هذا القرآن يجعل من مألوفات البشر وحوادثهم المكرورة ، قضايا كونية كبرى ؛ يكشف فيها عن النواميس الإلهية في الوجود ؛ وينشئ بها عقيدة ضخمة شاملة وتصورا كاملا لهذا الوجود . كما يجعل منها منهجا للنظر والتفكير ؛ وحياة للأرواح والقلوب ، ويقظة في المشاعر والحواس . يقظة لظواهر هذا الوجود التي تطالع الناس صباح مساء وهم غافلون عنها ؛ ويقظة لأنفسهم وما يجري من العجائب والخوارق فيها ! إنه لا يكل الناس إلى الحوادث الفذة الخارقة والمعجزات الخاصة المعدودة . كذلك لا يكلفهم أن يبحثوا عن الخوارق والمعجزات والآيات والدلائل بعيدا عن أنفسهم ، ولا عن مألوف حياتهم ، ولا عن الظواهر الكونية القريبة منهم المعروفة لهم . . إنه لا يبعد لهم في فلسفات معقدة ، أو مشكلات عقلية عويصة ، أو تجارب علمية لا يملكها كل أحد . . لكي ينشئ في نفوسهم عقيدة ، وتصورا للكون والحياة قائما على هذه العقيدة . إن أنفسهم من صنع اللّه ؛ وظواهر الكون حولهم من إبداع قدرته . والمعجزة كامنة في كل ما تبدعه يده . وهذا القرآن قرآنه . ومن يأخذهم إلى هذه المعجزات الكامنة فيهم والمبثوثة في الكون من حولهم . يأخذهم إلى هذه الخوارق المألوفة لهم ، التي يرونها ولا يحسون حقيقة الإعجاز فيها . لأنهم لطول ألفتهم لها غفلوا عن مواضع الإعجاز فيها . يأخذهم إليها ليفتح عيونهم عليها ؛ فتطلع على السر الهائل المكنون فيها . سر القدرة المبدعة ، وسر الوحدانية المفردة ، وسر الناموس الأزلي الذي يعمل في كيانهم هم أنفسهم كما يعمل في الكون من حولهم ؛ والذي يحمل دلائل الإيمان ، وبراهين العقيدة ، فيبثها في كيانهم ، أو يوقظها في فطرتهم بتعبير أدق . وعلى هذا المنهج يسير في هذا الشوط من السورة ؛ وهو يعرض عليهم آيات القدرة المبدعة في خلقهم هم أنفسهم . وفي زرعهم الذي تزاوله أيديهم . وفي الماء الذي يشربون . وفي النار التي يوقدون - وهي أبسط ما يقع تحت أبصارهم من مألوفات حياتهم - كذلك يصور لهم لحظة النهاية . نهاية الحياة على هذه الأرض وبدء الحياة في العالم الآخر . اللحظة التي يواجهها كل أحد ، والتي تنتهي عندها كل حيلة ، والتي تقف الأحياء وجها لوجه أمام القدرة المطلقة المتصرفة وقفة فاصلة ، لا محاولة فيها ولا مجال ! حيث تسقط جميع الأقنعة ، وتبطل جميع التعلات . إن طريقة القرآن في مخاطبة الفطرة البشرية تدل بذاتها على مصدره . . إنه المصدر الذي صدر منه الكون . فطريقة بنائه هي طريقة بناء الكون . فمن أبسط المواد الكونية تنشأ أعقد الأشكال ، وأضخم الخلائق . . الذرة يظن أنها مادة بناء الكون ، والخلية يظن أنها مادة بناء الحياة . . والذرة على صغرها معجزة في ذاتها . والخلية على ضآلتها آية في ذاتها . . وهنا في القرآن يتخذ من أبسط المشاهدات المألوفة للبشر مادة لبناء أضخم عقيدة دينية وأوسع تصور كوني . . المشاهدات التي تدخل في تجارب كل إنسان : النسل . والزرع . والماء . والنار . والموت . . أي إنسان على ظهر هذه الأرض لم تدخل هذه المشاهدات في تجاربه ؟ أي ساكن كهف لم يشهد نشأة حياة جنينية ، ونشأة نبتة . ومسقط ماء . وموقد نار . ولحظة وفاة ؟ . . من هذه المشاهدات التي رآها كل إنسان ينشئ القرآن العقيدة ، لأنه يخاطب كل إنسان في كل بيئة . . وهذه المشاهدات البسيطة الساذجة هي بذاتها أضخم الحقائق الكونية ، وأعظم الأسرار الربانية - بالإضافة إلى الإشارة إلى مواقع النجوم - فهي في بساطتها تخاطب فطرة كل إنسان . وهي في حقيقتها موضوع دراسة أعلم العلماء إلى آخر الزمان :