سيد قطب

3467

في ظلال القرآن

مواقع النجوم تعني هندسة الكون . نشأة الحياة الإنسانية . . وهي سر الأسرار . نشأة الحياة النباتية . . وهي كالحياة الحيوانية معجزة المعجزات . والماء . . أصل الحياة . والنار . . المعجزة التي صنعت الحضارة الإنسانية . هذه الطريقة في تناول الأشياء ، وبناء العقيدة والتفكير ، ليست طريقة البشر . فالبشر حين يخوضون في هذه المجالات لا يلتفتون إلى هذه المواد الأولية التي هي بذاتها المواد الكونية . وإذا التفتوا إليها لم يتناولوها بهذا اليسر وبهذه البساطة . بل يحاولون وضع المسألة في قالب فلسفي تجريدي معقد ، لا يصلح إلا لخطاب طبقة خاصة من الناس ! أما اللّه فطريقته هي هذه . . تناول المواد الأولية التي هي بذاتها المواد الكونية . وبناء العقيدة بها في يسر وسهولة . تماما كما يصنع - سبحانه - في تناول المواد الأولية التي هي مواد كونية ويصنع منها الكون . . هذا من ذاك . وعلامة الصنعة واحدة ، واضحة هنا وهناك ! « نَحْنُ خَلَقْناكُمْ فَلَوْ لا تُصَدِّقُونَ ! أَ فَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ ؟ أَ أَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ ؟ نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ ، وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ . عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ . وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْ لا تَذَكَّرُونَ ! » . . إن هذا الأمر أمر النشأة الأولى ونهايتها . أمر الخلق وأمر الموت . إنه أمر منظور ومألوف وواقع في حياة الناس . فكيف لا يصدقون أن اللّه خلقهم ؟ إن ضغط هذه الحقيقة على الفطرة أضخم وأثقل من أن يقف له الكيان البشري أو يجادل فيه : « نَحْنُ خَلَقْناكُمْ فَلَوْ لا تُصَدِّقُونَ ! » . . « أَ فَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ ؟ أَ أَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ ؟ » . . إن دور البشر في أمر هذا الخلق لا يزيد على أن يودع الرجل ما يمني رحم امرأة . ثم ينقطع عمله وعملها . وتأخذ يد القدرة في العمل وحدها في هذا الماء المهين . تعمل وحدها في خلقه وتنميته ، وبناء هيكله ، ونفخ الروح فيه . ومنذ اللحظة الأولى وفي كل لحظة تالية تتم المعجزة ، وتقع الخارقة التي لا يصنعها إلا اللّه . والتي لا يدري البشر كنهها وطبيعتها ؛ كما لا يعرفون كيف تقع . بله أن يشاركوا فيها ! وهذا القدر من التأمل يدركه كل إنسان . وهذا يكفي لتقدير هذه المعجزة والتأثر بها . ولكن قصة هذه الخلية الواحدة منذ أن تمنى ، إلى أن تصير خلقا ، قصة أغرب من الخيال . قصة لا يصدقها العقل لولا أنها تقع فعلا ، ويشهد وقوعها كل إنسان ! هذه الخلية الواحدة تبدأ في الانقسام والتكاثر ، فإذا هي بعد فترة ملايين الملايين من الخلايا . كل مجموعة من هذه الخلايا الجديدة ذات خصائص تختلف عن خصائص المجموعات الأخرى ؛ لأنها مكلفة أن تنشئ جانبا خاصا من المخلوق البشري ! فهذه خلايا عظام . وهذه خلايا عضلات . وهذه خلايا جلد . وهذه خلايا أعصاب . . ثم . . هذه خلايا لعمل عين . وهذه خلايا لعمل لسان . وهذه خلايا لعمل أذن . وهذه خلايا لعمل غدد . . وهي أكثر تخصصا من المجموعات السابقة . . وكل منها تعرف مكان عملها ، فلا تخطئ خلايا العين