سيد قطب

3462

في ظلال القرآن

وكلها صور من مألوفات حياتهم الواقعة ، يلمس بها قلوبهم ، ولا يكلفهم فيها إلا اليقظة ليد اللّه وهي تنشئها وتعمل فيها . كذلك يتناول هذا الشوط قضية القرآن الذي يحدثهم عن « الواقعة » فيشكون في وعيده . فيلوح بالقسم بمواقع النجوم ، ويعظم من أمر هذا القسم لتوكيد أن هذا الكتاب هو قرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون ، وأنه تنزيل من رب العالمين . ثم يواجههم في النهاية بمشهد الاحتضار . في لمسة عميقة مؤثرة . حين تبلغ الروح الحلقوم ، ويقف صاحبها على حافة العالم الآخر ؛ ويقف الجميع مكتوفي الأيدي عاجزين ، لا يملكون له شيئا ، ولا يدرون ما يجري حوله ، ولا ما يجري في كيانه . ويخلص أمره كله للّه ، قبل أن يفارق هذه الحياة . ويرى هو طريقه المقبل ، حين لا يملك أن يقول شيئا عما يرى ولا أن يشير ! ثم تختم السورة بتوكيد الخبر الصادق ، وتسبيح اللّه الخالق : « إِنَّ هذا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ . فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ » . . فيلتئم المطلع والختام أكمل التئام . . « إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ . لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ . خافِضَةٌ رافِعَةٌ . إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا . وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا . فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا . . . » . هذا المطلع واضح فيه التهويل في عرض هذا الحدث الهائل . وهو يتبع أسلوبا خاصا يلحظ فيه هذا المعنى ، ويتناسق مع مدلولات العبارة . فمرتين يبدأ بإذا الشرطية يذكر شرطها ولا يذكر جوابها . « إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ . لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ . خافِضَةٌ رافِعَةٌ » . . ولا يقول : ما ذا يكون إذا وقعت الواقعة وقعة صادقة ليس لها كاذبة ، وهي خافضة رافعة . ولكن يبدأ حديثا جديدا : « إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا . وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا . فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا . » . . ومرة أخرى لا يقول : ما ذا يكون إذا كان هذا الهول العظيم . . فكأنما هذا الهول كله مقدمة ، لا يذكر نتائجها ، لأن نتائجها أهول من أن يحيط بها اللفظ ، أو تعبر عنها العبارة ! هذا الأسلوب الخاص يتناسب مع الصورة المروّعة المفزّعة التي يرسمها هذا المطلع بذاته . فالواقعة بمعناها وبجرس اللفظ ذاته - بما فيه من مدّ ثم سكون - تلقى في الحس كأنما هي ثقل ضخم ينقض من عل ثم يستقر ، لغير ما زحزحة بعد ذلك ولا زوال ! « لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ » . . ثم إن سقوط هذا الثقل ووقوعه ، كأنما يتوقع له الحس أرجحة ورجرجة يحدثها حين يقع . ويلبي السياق هذا التوقع فإذا هي : « خافِضَةٌ رافِعَةٌ » . . وإنها لتخفض أقدارا كانت رفيعة في الأرض ، وترفع أقدارا كانت خفيضة في دار الفناء ، حيث تختل الاعتبارات والقيم ؛ ثم تستقيم في ميزان اللّه . ثم يتبدى الهول في كيان هذه الأرض . الأرض الثابتة المستقرة فيما يحس الناس . فإذا هي ترج رجا - وهي حقيقة تذكر في التعبير الذي يتسق في الحس مع وقع الواقعة - ثم إذا الجبال الصلبة الراسية تتحول - تحت وقع الواقعة - إلى فتات يتطاير كالهباء . . « وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا . فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا » . . فما أهول هذا الهول الذي يرج الأرض رجا ، ويبس الجبال بسا ، ويتركها هباء منبثا . وما أجهل الذين يتعرضون له وهم مكذبون بالآخرة ، مشركون باللّه ، وهذا أثره في الأرض والجبال ! وهكذا تبدأ السورة بما يزلزل الكيان البشري ، ويهول الحس الإنساني ، تجاه القضية التي ينكرها المنكرون ،